المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : توجيه :« ادخلوا في السَّلم »



ظلال القران
05-28-2013, 12:13 PM
قال الطبري قي قراءة قوله تعالى "« ادخلوا في السَّلم »


وقد اختلف القرأة في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل الحجاز: « ادخلوا في السَّلم » بفتح السين، وقرأته عامة قرأة الكوفيين بكسر السين.
فأما الذين فتحوا « السين » من « السلم » ، فإنهم وجهوا تأويلها إلى المسالمة، بمعنى: ادخلوا في الصلح والمساومة وترك الحرب وإعطاء الجزية.
وأما الذين قرءوا ذلك بالكسر من « السين » فإنهم مختلفون في تأويله.
فمنهم من يوجهه إلى الإسلام، بمعنى ادخلوا في الإسلام كافة، ومنهم من يوجّهه إلى الصلح، بمعنى: ادخلوا في الصلح، ويستشهد على أن « السين » تكسر، وهي بمعنى الصلح بقول زهير بن أبي سلمى:
وَقَـدْ قُلْتُمَـا إنْ نُـدْرِكِ السِّـلْمَ وَاسِعًا بِمَـالٍ وَمَعْـرُوفٍ مِـنَ الأمْـرِ نَسْـلَمِ

وأولى التأويلات بقوله: « ادخلوا في السلم » ، قول من قال: معناه: ادخلوا في الإسلام كافة.
وأمّا الذي هو أولى القراءتين بالصواب في قراءة ذلك، فقراءة من قرأ بكسر « السين » لأن ذلك إذا قرئ كذلك - وإن كان قد يحتمل معنى الصلح - فإن معنى الإسلام: ودوام الأمر الصالح عند العرب، أغلبُ عليه من الصلح والمسالمة، وينشد بيت أخي كندة:
دَعَــوْتُ عَشِــيرَتِي لِلسِّــلْمِ لَمّـا رَأَيْتُهُــــمُ تَوَلَّـــوْا مُدْبِرينَـــا
بكسر السين، بمعنى: دعوتهم للإسلام لما ارتدُّوا، وكان ذلك حين ارتدت كندة مع الأشعث بعد وَفاة رسول الله .
وقد كان أبو عمرو بن العلاء يقرأ سائر‍َ ما في القرآن من ذكر « السلم » بالفتح سوى هذه التي في سورة البقرة، فإنه كان يخصُّها بكسر سينها توجيهًا منه لمعناها إلى الإسلام دون ما سواها.

وإنما اخترنا ما اخترنا من التأويل في قوله: « ادخلوا في السلم » وصرفنا معناه إلى الإسلام، لأن الآية مخاطب بها المؤمنون، فلن يعدوَ الخطاب إذ كان خطابًا للمؤمنين من أحد أمرين:
إما أن يكون خطابًا للمؤمنين بمحمد المصدقين به وبما جاء به، فإن يكن ذلك كذلك، فلا معنى أن يقال لهم وهم أهل الإيمان: « ادخلوا في صلح المؤمنين ومسالمتهم » ، لأن المسالمة والمصالحة إنما يؤمر بها من كان حربًا بترك الحرب، فأما الموالي فلا يجوز أن يقال له: « صالح فلانا » ، ولا حرب بينهما ولا عداوة.
أو يكون خطابًا لأهل الإيمان بمن قبل محمد من الأنبياء المصدِّقين بهم، وبما جاءوا به من عند الله المنكرين محمدًا ونبوته، فقيل لهم: « ادخلوا في السلم » ، يعني به الإسلام، لا الصُّلح. لأن الله عز وجل إنما أمر عباده بالإيمان به وبنبيه محمد وما جاء به، وإلى الذي دعاهم دون المسالمة والمصالحة. بل نهى نبيه في بعض الأحوال عن دعاء أهل الكفر إلى الصلح فقال: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ [ محمد: 35 ] وإنما أباحَ له في بعض الأحوال إذا دعَوه إلى الصلح ابتداءَ المصالحة، فقال له جل ثناؤه: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا [ الأنفال: 61 ] فأما دعاؤهم إلى الصُّلح ابتداءً، فغير موجود في القرآن، فيجوزُ توجيه قوله: « ادخلوا في السلم » إلى ذلك.