+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 24

الموضوع: ترجمة الشيخ عبد الكريم الرفاعي(رحمه الله)

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الإقامة
    الجزائر
    المشاركات
    321

    افتراضي ترجمة الشيخ عبد الكريم الرفاعي(رحمه الله)

    نشأته يتيما و رعاية الشيخ علي الدقر له


    [frame="7 80"]ولد الشيخ عبد الكريم الرفاعي عام 1320 هجري الموافق 1901 ميلادي في حي قبر عاتكة الفقير بدمشق وفي أسرة فقيرة فيه , قامت على تربيته والدته بعد أن توفي والده وهو في السادسة من عمره , وقد كان في هذه السن مريضا ً لا يرجى برؤه إلا بقدرة الله تعالى , مقعدا ً لا يقدر على المشي , لذلك قامت والدته رحمها الله بعد أن عجزت عن معالجته فحملته وهو في العاشرة من عمره إلى جامع السادات حيث كان الشيخ علي الدقر يربي فيه العديد من طلاب العلم يلتفون حوله في ذلك المسجد , وتدخل والدته على الشيخ وولدها على يديها قائلة : هذا ولدي سأضعه عندك , لعل الله ببركة العلم يبرئه , فابتسم في وجهها وتلقاه من يدها , وسلمه للشيخ عارف السمان ليعلمه القراءة والكتابة , وبقي الشيخ عند شيخه الشيخ علي شهرا ً كاملا ً ينظر إليه بعين العطف والحنان , يبصر فيه الأمل المشرق , والعالم الفذ , والداعية المجاهد , والمربي الكبير .
    لقد احتضنه الشيخ علي الدقر رغم عجزه وضعفه ويتمه , ليحمل كتابه بعد شهر واحد من رعاية الشيخ له وينطلق ماشيا على قدميه يطرق الباب على أمه تعلو وجهه بسمةُ الفرح ويتهلل وجه والدته تعلوه دمعة السرور بشفاء ولدها ببركة العلم .
    وتمضي سنوات عليه وهو ينهل من المعين الصافي والقلب الفياض إلى أن جاءت والدته إلى الشيخ الدقر تشكو ولدها عبد الكريم لانقطاعه لطلب العلم حيث كان يبيت أياما ً طوالا ً لا يأتيها ولا تراه كما طلبت من الشيخ أن يذهب ولدها للعمل لأنه لا يوجد من يعيلها, فقال لها الشيخ : هل له أخ ؟
    قالت نعم , قال ما رأيك أن تجعلي ذاك لدنياك وهذا لآخرتك ؟
    وما هي إلا لحظات إلا وأجهشت بالبكاء قائلة : رضيت يا سيدي رضيت , وعادت سعيدة بهذه القسمة , والتي آل الأمر فيها ليكون الشيخ رحمه الله كنزا ً لدنياها وذخرا ً لآخرتها , ذلك أنه لما أصبح شابا ً وغدا مدرسا ً في معهد العلوم الشرعية تنكز كان لا يخرج من البيت قبل أن يلبس جبته ويضع عمامته ثم يأتي إلى أمه وينكب على قدميها يمرغ لحيته بتلك القدمين واليدين اللتين حملتاه إلى الشيخ الدقر يفعل هذا كل يوم وهي تقول له : اللهم أعز عبد الكريم اللهم ارفع جاهه .
    [/frame]
    التعديل الأخير تم بواسطة غنية عمر ; 08-04-2010 الساعة 02:26 PM

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الإقامة
    الجزائر
    المشاركات
    321

    افتراضي تتمة عن الشيخ عبد الكريم الرفاعي

    المربي القدوة و بلاغة الحال



    [frame="7 90"]أما عن سلوكه الشخصي رحمه الله سواء في بيته مع أهله وأولاده أو في المسجد مع طلابه أو في المعهد مع تلامذته أو مع عامة الناس في تودده ومحبته , فلقد كان القدوة المثلى يعلم بسلوكه أكثر من كلامه ويوجه بأفعاله أكثر من أقواله .
    ذلك أن زلة العالم زلة الأمة بكاملها , وخطأ المربي يتعدى إلى من يربيهم , فمهما حذَّر من فعل المنكر وخطره وسوء عاقبته , وكان فعله يخالف قوله باقترافه له كان كلامه هباء منثورا ً .
    لذلك كانت عقوبة العالم عند الله شديدة وحسابه عسيرا ً , وقد ورد في الحديث : بأنه (يؤتى بالرجل العالم فتندلق أقتابه في النار فيدور فيها كما يدور الحمار برحاه , فيأتيه الناس ويقولون : أما كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟؟, فيقول كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه ) .
    نعم , لقد كان الشيخ رحمه الله – ولا نزكي على الله أحدا - طاهرَ الظاهر والباطن , نقي السر والعلن , عرفه القاصي والداني , والبعيد والقريب بعلمه وعمله , بزهده وورعه , بتواضعه وتياسره , بصبره وتحمله .
    ما كان يدعو الناس إلى مكارم الأخلاق مع أهله أو مجتمعه ثم يخالف قولَه فعلُه , وما عرف أتباعه أنه نصحهم بالزهد ثم رأوه مترفا ً في معيشته , وما كان ليأمر بالتواضع والتسامح والعفو ثم يحاول أن يثأر وينتقم أو يتجاوز الحق ولو على نفسه .

    الشيخ في بيته مع أهله وأولاده

    ها هو في بيته كما يروي أولاده و ذووه أنه كان لا يغضب إلا إذا رأى مخالفة أو تقصيرا في حق من حقوق الله , فلا يعاتب ولا يخاصم إن وجد تقصيرا في حقه , فإن تأخر صنع الطعام يوما ً وكان ملتزما ً بوعدٍ ما أكل ما وجِد وكيفما اتفق دون عتاب على التأخير أو إظهار أي انزعاج .
    كان يتودد إلى الصغار بالمداعبة والتصابي لهم , كما يتودد إلى الكبار بالمزاح دون تجاوز للحد , يغض الطرف عن الهفوات , ويتغابى عن الأخطاء التي ليس في فعلها حرمة أو كراهة متمثلا قول الشاعر :
    ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي
    كان يترك كل ما يخص البيت في جزئياته ويجعل كامل الحرية فيها لزوجه رحمها الله التي عرفت برجاحة عقلها وحسن معاملتها وتدبيرها , لاسيما عندما وجدت من زوجها الخلق الكريم والمعاملة الحسنة , والإخلاص لله في العمل فشاركته في الأجر عندما جعلت من نفسها الأم الحنون لكل طالب من طلاب المسجد ,فكانت في خدمتهم و خدمة الضيوف من بعد صلاة الفجر وحتى متصف الليل , لم يعرف عنها أنها نامت في النهار ساعة في يوم من الأيام أو طلبت الراحة من عناء الخدمة , بل على العكس كانت تجد الراحة في أن تشاطر زوجها العمل بما تقدمه لطلاب العلم وضيوف الشيخ رحمه الله .
    لذلك كانت إذا سافر الشيخ إلى الحج تعاني من قلة الضيوف فتقول لأولادها : قوموا وادعوا إخوانكم في المسجد لتناول الطعام , فإنني أجد الأنس والراحة والسعادة بقدومهم وقيامي على خدمتهم .
    ومن أغرب الطرائف التي حصلت مع زوجة الشيخ في أول بدء نهضته وعمله في حي قبر عاتكة , إذ كان مع أخيه المتزوج في بيت واحد مؤلف من غرفتين ومطبخ مستقلا كل منهما بواحدة , وكان إذ ذاك مدرسا في المعهد في النهار ويعطي الدروس في المسجد مساء , وجاء إليه طلابٌ تفرس فيهم الثبات في العمل والدعوة في المستقبل وطلبوا منه درسا يوميا فلم يجد وقتا يعطيهم إلا قبل الفجر بساعة فوافقوا , وكانت زوجة الشيخ رحمهما الله تستيقظ وتقف في المطبخ لتصنع الحليب والشاي تكرم به طلاب العلم , وحدث مرة أنها كانت حاملا في شهرها التاسع , والطلاب قبل الفجر في الدرس مع الشيخ , وجاءها المخاض وهي في المطبخ , فما كان من والدة الشيخ رحمها الله إلا أن فرشت لها المطبخ بعد أن أرسلت إلى القابلة التي تسكن بجوارهم وتمت الولادة بغاية اليسر والمعونة من الله , وخلال نصف ساعة فقط تنادي والدة الشيخ ولدها وهو في درسه ودموع الفرح على وجنتيها مع بسمة الرضا عن ولدها : أن أبشر يا ولدي ببنية فلقد ولدت زوجك , فقال : كيف لا تخبريني يا أمي بأنها في حالة مخاض , قالت : لا عليك , إن انشغالك مع طلاب العلم جعل رعاية الله وعنايته وسكينته تشمل زوجك في ولادتها , وكان سببا في تيسير الوضع والحمد لله .
    واستمرت زوجة الشيخ بعد وفاة والدته في تفانيها بالخدمة والتضحية , ولم تتذمر يوما من الأيام لتأخر زوجها عنها ما دام قد تأخر في مرضاة ربه , ولم تضجر بتركه رعاية الأولاد لها لأنها تعلم بأن الله لن يتخلى عنها وعن أولادها ما دام زوجها مشغولا في علمه وتعليمه .
    ولقد كانت رحمها الله مع ما كانت عليه من خدمة العلم تستقبل الداعيات اللاتي يتلقين الدروس على الشيخ صباح كل يوم مرحبة بهن غاية الترحيب وتهيئ الجو المناسب , من وضع الستارة بين الغرفتين نزولا عند رغبة الشيخ رحمه الله .
    كما كانت تستقبل الأرامل وأمهات الأيتام والعجائز والفقيرات لتسمع عن حالهن وفقرهن فتوصله إلى زوجها ودموعُها تنهمر من عينيها حزنا عليهن ليقوم بدوره عن طريق الجمعيات الخيرية التي أسسها فيسد حاجتهن ويكرمهن غاية الإكرام .
    هذا الحال من الشيخ في بيته جعل أولاده يتأثرون بفعاله وسلوكه وحسن تربيته , بل وجدوا من أبيهم أكثر مما يجدونه خارجه عبادة وذكرا ً وتوجيها ً , إذ كان لا يستيقظ أحدهم ليلا ً إلا ويجد الشيخ تاليا ً للقرآن , أو ممسكا ً بكتاب , أو حاملا ً السبحة يذكر الله , مما جعلهم يسيرون على نهج والدهم في العلم والتعليم والدعوة إلى الله , ولا شك بأن التزام الداعية في بيته وبين أولاده له الأثر الأكبر في استقامة أولاده والتزامهم بمبدأ أبيهم .
    أما إذا كان الداعية يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر على المنابر وفي المحافل العامة , فإذا جاء البيتَ ارتدى قناعا ً آخر من التساهل في أمور الدين وعدم مراعاة ما يدعو إليه الناس خارج البيت , أو يعامل الناس معاملة حسنة فإذا دخل البيت انقلب فظا ً غليظا ً فإن ذلك ينعكس بالذات على أهله وأولاده وأقرب الناس إليه بالتفلت و عدم الالتزام , و ذلك لما يرونه من أبيهم الداعية ومخالفة فعله لما يدعو الناس إليه ويحثهم عليه , فأين الداعية من قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ,كبر مقتا ً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) .

    زهده و ورعه
    لقد كان الشيخ رحمه الله لا يقصر في الضروريات والحاجيات سواء على مستوى المسجد في كل ما يتطلبه العمل أو على مستوى حياته الخاصة , ولا يأبه للكماليات بل يكرهها لأنه يعتقد أنه كلما ازداد الإنسان من الكماليات ازداد طمعا و جشعا فينشغل بها عن عبادته , وتأخذ حيزا ً كبيرا ً من تفكيره وذهنه , وتصرفه عن عظائم الأمور مما يهم المسلمين , فكان بيته وسطا , لا هو بالصغير الذي يضيق بأهله وضيوفه , ولا هو بالكبير الذي يزيد عن حاجته , فكلما كبر أولاده اضطر لتوسيع داره دون أن يبذخ في زخرفته أو أثاثه , رغم أنه لو أراد أن يبني قصرا ً , أو أن يعيش حياة كبار الأثرياء ما احتاج الأمر لأكثر من إشارة , لأن حوله من أغنياء البلد وتجارها ممن يتمنى لو يقدم ماله كله أو ليضع تجارته وكل ما يملك تحت تصرف الشيخ , لكنه رحمه الله كان يجعل حديث المصطفى صلى الله عليه سلم نصب عينيه : (ازهد في الدنيا يحبك الله , وازهد فيما عند الناس يحبك الناس ) , فلا يتطلع إلى أموالهم , ولا يميل قلبه إلى لقائهم إلا إذ صرفوا دنياهم في مرضاة الله وأنفقوها في سبيله .
    وكان رغم زهده في الدنيا يدفع طلابه للعلم والمعرفة في شتى المجالات الدينية والدنيوية من طب وهندسة وزراعة وتجارة وصناعة , لبعد نظره وسعة أفقه تجاه هذا العصر الذي عاش فيه , من حاجة المجتمع إلى رجال ثقات و أمناء ومخلصين في تلك المهن وحاجة الأمة إلى أغنياء وأثرياء , وأسخياء وكرماء , إذا ما دعت الحاجة تراهم ينفقون دون أدنى تردد , ومن أدل الدلائل على زهده أنه توفي رحمه الله ولا يملك من الدنيا إلا سبعين ليرة سورية فقط , أما بيته الذي كان يسكنه فقد قسمه بين أولاده في حال حياته حسب القسمة الشرعية , فكان نصيب كل ولد منه لا يزيد عن غرفتين فقط , لكنه ترك لهم إرثا ً معنويا ً لا يوزن بملء الدنيا ذهبا , وذهب إلى ربه زاهدا ً في الدنيا راغبا ً بما عند الله في الآخرة من جنة عرضها السماوات والأرض .
    كما كان رحمه الله زاهدا ً في المناصب والمراكز , فلم يسع ليحتل منصبا ً أو يصل إلى شهرة , وكان يفسح المجال في المناصب الدنيوية لغيره من أهل العلم لزهده فيها أولا ً , ولانشغاله بما هو أهم ثانيا ً , غير أن الله تعالى سخر له قلوب أصحاب المناصب بالمحبة والمودة وجندوا أنفسهم لخدمته وتلبية طلباته في كل ما يتعلق بطلابه خاصة وبالمسلمين عامة , فكان إذا أرسل أحدَ طلابه إلى مجلس الأوقاف لتعيينه إماما ً وخطيبا ً , وكان المجلس يعين لجنة لاختبار المتقدمين لهذه الوظائف الدينية , فبمجرد معرفتهم أنه من طلاب الشيخ عبد الكريم يتم تعيينه دون تردد من الجميع لمعرفتهم أن الشيخ لا يرسل من طلابه إلا من تحقق فيهم كامل الأهلية والاستعداد علما وعملا ودعوة إلى الله .
    [/frame]
    التعديل الأخير تم بواسطة غنية عمر ; 08-04-2010 الساعة 02:32 PM

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الإقامة
    في ارض الله
    المشاركات
    1,675

    افتراضي رد: ترجمة الشيخ عبد الكريم الرفاعي(رحمه الله)

    جزاك الله خيرا اختنا الفاضلة وجزى مشايخنا عنا خير الجزاء
    ونفعنا بعلمهم
    ما قدمت قيم ومميز
    احسنت

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    المشاركات
    795

    افتراضي رد: ترجمة الشيخ عبد الكريم الرفاعي(رحمه الله)



    زادك الله أختي غنيمة علماً وعملاً
    تقبلي مروري.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الإقامة
    الجزائر
    المشاركات
    321

    افتراضي رد: ترجمة الشيخ عبد الكريم الرفاعي(رحمه الله)

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ارتقاء مشاهدة المشاركة
    جزاك الله خيرا اختنا الفاضلة وجزى مشايخنا عنا خير الجزاء
    ونفعنا بعلمهم
    ما قدمت قيم ومميز
    احسنت


    جميل مروركم أختي ارتقاء

    و كم أسعدنا ثناؤكم المميز

    لا عدمنا هذه الطلة



    التعديل الأخير تم بواسطة غنية عمر ; 07-31-2010 الساعة 12:27 PM

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الإقامة
    الجزائر
    المشاركات
    321

    افتراضي رد: ترجمة الشيخ عبد الكريم الرفاعي(رحمه الله)

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اكليل الشموخ مشاهدة المشاركة


    زادك الله أختي غنيمة علماً وعملاً
    تقبلي مروري.

    بارك الله فيك أختي إكليل الشموخ

    مرورك عطر الموضوع و زاده جمالا


    مودتي

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الإقامة
    الجزائر
    المشاركات
    321

    افتراضي تتمة عن الشيخ عبد الكريم الرفاعي

    تواضعه وتذلله في عبوديته لربه


    [frame="7 90"]لقد عُرف الشيخ بتواضعه وتحققه في العبودية لله , فكان يرفض المدح والثناء من أي شخص حيث إنه كان معترفا ً بضعفه وفقره سواء أقبلت الدنيا أم أدبرت , فما من موقف ينتصر الشيخ فيه على خصومه أو يخرج من حفل تعالت فيه أصوات الأمة بحياة الشيخ معبرة عن احترامها وتقديرها إلا ويجمع طلابه قائلا ً : ( يا أبنائي أنا أعرف الناس بنفسي , أنا الفقير والضعيف , أنا المسكين والجاهل , هذه بدايتي ومازلت مقرا ً ومعترفا ً بفقري وذلي وجهلي , فإن وجدتم توفيقا ً ونجاحا ً في احتفال أقمتموه أو عمل فعلتموه , فبفضل الله أولا و آخرا ً , فإياكم أن يصيبكم عجب أو غرور بفصاحتكم وتأثيركم ومدح الناس لكم , فكلنا عبيد لله أجرى الخير على أيدينا , وجعل أفئدة الناس تهوي إلينا فضلا منه سبحانه , ولو شاء لسلب هذا الفضل منا واستبدل بنا آخرين , فبقدر عبوديتكم لله واعترافكم بضعفكم وجهلكم يمدكم الله بالقوة والعلم والتأثير ).
    ولقد أكرمنا الله مرة بزيارة العالم المحدث فضيلة الشيخ عبد الله سراج الدين عالم حلب وفقيهها رحمه الله تعالى , فقال لنا : من فضل الله علي أنني زرت الشيخ عبد الكريم ونزلت من حلب بقصد زيارته , والتقيت به ساعة عرفت فيه ما لم يعرفه كبار طلابه وأولاده , قلنا له ماذا رأيت فيه يا سيدي ؟ قال : لمست فيه العبودية لله بكل معانيها فكما أن الأنبياء على قسمين نبي ملك ونبي عبد , فالنبي الملك مثل داود وسليمان ,
    والقسم الثاني : نبي عبد كنبينا عليه الصلاة والسلام الذي عرض عليه ما لم يعرض على داود وسليمان وجميع الأنبياء فرفض كل ذلك وآثر المسكنة بقوله (اللهم أحييني مسكينا وتوفني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين ) , ليتحقق بتمام العبودية لله تعالى , فأعطاه الله من الفتح والنصر والعز والخلود في الأثر ورفع الذكر ما لم يعطه أحدا ً من العالمين , فلئن اتصف بصفة الملك بعض الأنبياء واتصف بالعبودية البعض الآخر , فكذلك الأولياء فإن منهم من هو ولي ملك , ترى فيه من الأوصاف التي تستغربها إذا لم تجدها في ولي آخر يتصف بالعبودية لله والتذلل بين يديه طاهرا وباطنا.
    لقد ترجم الشيخ عبد الله سراج الدين شيخنا عبد الكريم بأنه (ولي عبد) أجرى الله على يديه ما لم يجره على يد غيره من كبار العلماء والأولياء لتحققه بهذا الوصف .
    نعم لقد كان متواضعا ً متذللا ً بين يدي الله كما وصفه الشيخ سراج الدين , لا يحب المدح بل ينزعج منه , ويظهر أثر الانزعاج على وجهه , فلقد جاءه مرة أحدُ كبار طلابه , وجعل يذكر شخصيات كبيرة أثنت على الشيخ وهو يسمع ويتشاغل , ثم يعود هذا الأخ أن فلاناً وفلانا ذكروك يا سيدي في أحد المحافل وأثنوا على مواقفك , والشيخ يحاول صرف الموضوع , فما كان منه رحمه الله إلا أن التفت إلى هذا الأخ وهو يقول : كفاك يا بني , والله إن المدح كالرصاص يصيب صدري ويؤلم قلبي ...
    فسكت الأخ وكان درسا ً له ولغيره من أن يتأثر بمدح الناس أو ثنائهم , وكان القدوة العملية في ذلك رحمه الله .
    ولقد جاء مرة الشيخ أحمد الحبال أحد كبار صالحي دمشق , يزور الشيخ ويقول : لقد كنت في المدينة المنورة , وفي إحدى الليالي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورتك , وإذا بالشيخ يوحي للشيخ أحمد أنه سمع طرق الباب , فنادى : نعم , نعم , وقام ثم دخل إلى الضيف ليبادره الحديث قائلا ً : كيف حال المدينة وأهلها وجوها , يريد بذلك أن يغير الحديث عن الرؤيا , وإذا بالشيخ أحمد يعود ليسرد ما تبقى منها , فما كان من الشيخ عبد الكريم إلا أن قال له : يا سيدي , أين نحن من الرسول الأعظم في أخلاقه وجهاده ؟ أين نحن من كذا وكذا ؟ وذلك لأنه رحمه الله كان يخشى على نفسه كثيرا ً من أن يصيبه عجب أو غرور , فيحاول أن يتشاغل عند سماع مدح أو ثناء , أو حتى عن مثل هذه الرؤيا التي تكررت على لسان العديد من الصالحين , فلا يفسح المجال لأحد أن يتكلم بها أو أن يذيعها , بل كثيرا ً ما يتهم نفسه بقلة العلم والتقصير في العبادة والدعوة .

    دخل مرة إلى المسجد مساء الثلاثاء ليلقي درسه العام , والمسجد يغص بالأعداد الكبيرة من الشباب , ودراجاتهم خارج المسجد بالمئات , يصفُّها ويرتبها أحد الطلاب مع بعض إخوانه , ويأتي ذلك المسؤول عن ترتيب الدرجات ليسلم على الشيخ , فقال له : ماذا تفعل يا بني ؟ قال : يا سيدي أصف الدراجات كي لا يتعثر بها أحد , فقال له الشيخ : يا بني أنت تقوم بهذه المهمة , وأنا الآن سأدخل إلى المنصة في صدر المجلس لألقي الدرس أمام هذه الجموع الغفيرة , لكن من الأفضل عند الله ؟ (الله أعلم) ! يا بني , قد تكون أفضل مني وأسألك الدعاء .
    هذه الكلمة (لعلك يا بني أفضل مني عند الله ) سمعها عنه طلابه الخطباء الذين كانت دمشق تشير إليهم بالبنان علما ً وثقافة وأسلوبا ً , كانت هذه الكلمة من الشيخ أعظم درس , تعلموا من خلاله نكران الذات ورد الفضل في علمهم وتعليمهم وجهادهم إلى الله تبارك وتعالى .

    حديث عن الحب وترجمته بالتطبيق


    كان الشيخ رحمه الله كثيرا ً ما يتكلم عن الحب في الله , ويركز على هذا المعنى في معظم دروسه , ويعيشه بأمثلة عملية بين طلابه وإخوانه والناس من حوله , كان يقول : نحن لا يجمعنا في المسجد علم ولا ذكر , وإنما يجمعنا الحب في الله , فبالحب نعلِّم ونتعلم , وبالحب نذكر ونتذاكر , وبالحب نجتمع على تلاوة القرآن , وبالحب ننطلق للدعوة إلى الله , ولولا الحب لما التقينا ولما صبر بعضنا على بعض , وكثيرا ً ما يأتي في دروسه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم :
    (والذي نفسي بيده , لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا , ولا تؤمنوا حتى تحابوا ...) .
    ويأتي بالحديث القدسي : ( أين المتحابون فيَّ ؟ اليوم أظلهم تحت ظلي يوم لا ظل إلا ظلي )
    وكان يسأل طلابه في درسه ما كان يسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : (أيُّ عرى الإيمان أوثق) فيقول أحدهم : الصلاة , فيقول : حسن , وليس بذاك , فيقول الآخر : الزكاة , فيقول : حسن , وليس بذاك ... إلى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ) .
    وكان يؤكد أن من لوازم هذا الحب : أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك , أن تتألم لألمه وأن تفرح لفرحه . ولقد كان يترجم حديثه عن الحب بإيثاره وصدقه في حبه لطلابه وإخوانه , حتى إن كثيرا ً من الناس كانوا يظنون العديد من طلابه أولاده لما يرون من اهتمام الشيخ بهم وحرصه على مصالحهم حرص الأب على أبنائه .

    الحب يصنع المعجزات


    ولقد أصيب مرة أحد طلابه الكبار بمرض شديد في رأسه , وبعد الفحوصات والمعاينات الطبية في أشهر مشافي دمشق تبين أن معه ورما ً في المخ , ويحتاج إلى عملية جراحية في رأسه لم تكن تتوفر في دمشق حينئذ إمكانات القيام بها , فقال الشيخ لطلابه من الأطباء والصيادلة : تدارسوا الموضوع في أسرع وقت لإرساله إلى أي بلد ترونه مناسبا خارج سوريا , وكان الطالب المريض آنئذ فقيرا ً وتربى يتيما ً , لكنه نادر الذكاء والعلم , وكان مدرساً في المسجد , والشيخ يحبه كثيرا ً لما يجد فيه من التفاني في الدعوة والعلم والتعليم , وبعد دراسة المختصين لهذا الأمر اقترحوا إرساله إلى إحدى المستشفيات العالمية في الخارج , ولكنها تحتاج إلى مبلغ كبير , فأخبروا بذلك الشيخ , فقال : والله لو كلفني الأمر أن أبيع بيتي الذي أسكنه , وثوبي الذي ألبسه لما قصرت في إنقاذه , فهو بمثابة ولدي وواحد من أبنائي , ويجمع الشيخ إخوانه ويتحدث إليهم في أن يعبروا عن حبهم ومودتهم لأخيهم الذي أشرف على الموت .
    وإذا بالحب الذي ملأ قلوبهم بمحبة بعضهم يتفجر اندفاعا ً لإنقاذه بذلا ً وسخاء ً والتجاء ً إلى الله أن يعافيه , ويتوافدون يقدم كل واحد من إخوانه ما لديه من مال , ولا ننسى أحدهم عندما جاء بمهره الذي جمعه خلال سنوات ليتم زواجه خلال تلك الفترة ويضعه بين يدي شيخه , فيقول له الشيخ : وزواجك يا بني ؟ فيقول : يا سيدي , إن لم أتزوج هذه السنة فإنني سأتزوج إن شاء الله بعد سنتين أو ثلاث , ولا حرج علي بالتأخير , أما أخي فإن تأخير عمليته يوما ً واحدا ً يشكل خطورة على حياته , فو الله يا سيدي إنني أقدم هذا المبلغ طيبة به نفسي راجيا ً من الله أن يعافيه .
    ويسافر هذا الأخ المريض لإجراء العملية , ويستنفر إخوانه مع الشيخ بالدعاء والابتهال إلى الله وكثرة الصدقات بنية الشفاء له , حتى إن أولاد الشيخ يتحدثون أنهم كانوا يصنعون الطعام بعد أذان المغرب في رمضان ويجلسون على المائدة , فما يكاد الشيخ يضع لقمة في فمه إلا ودمعة الألم تسيل على وجنتيه , ويتوقف عن الطعام , فيقول له أهله : مالك يا سيدي ؟ فيقول : ولدي ... الآن في خطر , نعم إنه بمثابة ولده بالعطف والحنان .
    لقد نظر الله إلى صنيعهم مع أخيهم المريض , وسمع دعاء شيخه له أو يضيعه ربه ؟ لا والله أبدا ً , لقد أجريت له الفحوصات ثانية فتبين صحة الفحوصات الأولى , ولا بد من استئصال الورم بعملية جراحية , حددوا له أسبوعا ً لإجرائها , وقبل العملية بيوم واحد قاموا بتصوير محل الورم فلم يجدوا أثرا ً له , أعادوه مرات فوجدوا أنه زال نهائيا ً , ما الذي جرى؟ ما الذي حصل ؟ ... لا ندري .
    لقد سكن ألمه , ويعود إلى شيخه وإخوانه ومعه تقرير الأطباء هناك , والذي يقول : إن ما حصل فوق علمنا , ولا يمكن لنا تفسيره , كما سئل طبيب آخر هناك , فقال : إنها فلتة طبية .
    ويعود الأخ المريض بتمام الصحة والعافية ويتهلل وجه الشيخ وإخوانه بالفرح والسرور في أن الله تعالى لم يخيب رجاءهم ودعاءهم , ولم يضيع حبهم وفداءهم سدى , بل أراهم كرامة بأم أعينهم حتى يزدادوا يقينا ً بالله وثقة بأن حبهم في الله سند لهم في الدنيا ونجاة لهم في الآخرة .
    وها نحن نروي قصة بعد هذا العمر الطويلً من حدوثها والأخ لا يزال حيا ً يرزق ينعم بفضل الله وكرامته , ويذكر أن ما أعجز الطب وأهله لم يكن ليعجز الخالق في إبراء علته , ويعلم جميع إخوانه ومن يعرفه بأن هذه الكرامة كانت بفضل الحب في الله وصدق الأخوة فيما بينهم , إذ ضربوا به أروع الأمثلة بالفداء والإيثار في حوادث أخرى أيضا ً ,
    و جاء مرة أحد الإخوة للشيخ قائلا ً : يا سيدي , أخي عدنان مكفوف البصر ولي عينان , فإن أمكن للطب الحديث أن يجري عملية يأخذ إحدى عيني لأخي ليبصر بها كما نبصر , فو الله إنها أمنيتي وراحة قلبي , وتمضي الأيام ويأتي للشيخ مرة أخرى قائلا ً : يا سيدي , أتذكر أنني تبرعت بعيني فإنني أشعر الآن بأن لي عينا واحدة والثانية ليست ملكي , فهل أجريتم البحوث الطبية بخصوص نقلها لأخي أم لا ؟ بقي يتابع بإلحاح حتى علم أنه لا يمكن نقلها لتلف الخلايا ....
    وما أكثر هذه الأمثلة التي قل نظيرها وندر وجودها في زماننا الذي طغت فيه المادة حتى أصبح كل واحد لا يفكر إلا بنفسه وما يجلب المصلحة لشخصه وأسرته , فكان الشيخ رحمه الله يتكلم بالحب ليصهر الجميع فيصبحوا جسدا ً واحدا ً , إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر
    [/frame]
    التعديل الأخير تم بواسطة غنية عمر ; 08-04-2010 الساعة 02:36 PM

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الإقامة
    الجزائر
    المشاركات
    321

    افتراضي تتمة عن الشيخ عبد الكريم الرفاعي

    العالم العامل


    [frame="7 90"]الشيخ عبد الكريم الرفاعي

    يرحم الله الوالد – العلامة الشيخ علي الدقر - , كان في تعليمه وتسليكه مثلاً رائعاً , كان يبذل أعظم جهده في أن يجعل من طالب العلم الشرعي القدوة الصالحة في عمله ودينه وخلقه , وما كان _ يرحمه الله _ يعتقد الخير في طالب العلم يملأ دماغه ويهمل قلبه , تهدر أشداقه بالتعالم والتعالي , ولي اللسان باَلإغراء والمراء والمطاولة .
    كما لم يكن يركن لطالب العلم يتخذ من علمه وسيلة لدنيا يصيبها أو وظيفةٍ ينالها أو جاهٍ يسعى إليه .
    وكان سعيه كله أن يتعهد طلابه – مع العلم – بالتربية الصوفية الصافية التي تزكي النفس وتطهر القلب ،وتجعل من طالب العلم داعية للدين ،مخلصاً ، مضحياً ،في سبيله بكل متعه وشهواته ،بل بكل ما في الدنيا ،فكل ما فيها عرض زائل .والتربية الصوفية إذا قصد بها تهذيب النفوس وتطهيرها من الآفات وإشغال القلب بالعمل والطاعة والذكر ،وتصحيح المعاملة على السنة _كما كان يفعل السلف الصالح _ هي التربية المنتجة المفيدة التي تصنع العجائب , وإلا فهي تفلسف فارغ .
    هذه سبيله _ يرحمه الله _ في تربية طلابه : علم عمل وإخلاص , وهكذا كان كثير من تلاميذه الذين أضحوا في حياته علماء يُنتفع بعلمهم ويُهتدى بهديهم .
    وكان منهم العالم العامل المربي الشيخ عبد الكريم الرفاعي ، كان أول أمره فتى مريضاً عاجزاً , ليس فيه من أمارات الحياة إلا تردد النفس , حين أُتي به أول مرة إلى مجلسه بقصد التبرك والاستشفاء وكان مجلسه هذا مجلس وعظ وإرشاد , وكان إقبال الناس عليه وانتفاعهم به وما فيه من الخير والصفاء منقطع النظير في تلك السنين حتى ما يزال هذا الأثر العظيم يتردد ذكره على لسان من أدركوه , وكان هذا الأثر مبهجاً للمؤمنين غائظاً للمنحرفين .
    وأقبل الفتى على العلم وانتظم في حلقاته يقرأ على المقدمين من تلاميذ الشيخ , وهكذا كانت السنة في التعلم والتعليم في نظام الشيخ ، يُقرئ الشيخ المقدمين من الطلبة ويُقرئ المقدمون من أتى بعدهم .
    وسقا الله عهوداً كان الطلبة يجلسون فيها بين يدي شيوخهم يقرؤون تحقيقاً وتدقيقاً في العلم الواحد كتباً من أولها إلى آخرها يبدؤون بالأقل والأسهل وينتهون بالأكبر والأعمق ولا يقبلون على الدرس إلا بعد مراجعة ما قرؤوا بإمعان وتدقيق الدرس المقبل , وهذا كان يحمل أساتذتهم على ألا يتركوا شاردة ولا واردة مما يتعلق بدرسهم إلا استوعبوها واستحضروها .
    وعلى هذه الطريقة بدأ المرحوم الشيخ عبد الكريم الرفاعي يطلب العلم ، وما برح يجدُّ ويتقدم حتى صار من الطلبة المقدمين الأساتذة الذين لهم أن يحضروا الدروس الخاصة للشيخ , وممن له حلقة بل حلقات يعلم فيها إخواناً محدثين ممن أتى بعده .
    وانطلق على هذه الحال يتعلم ويعلم , بل يتعلم وهو يعلم حتى أتقن علوماً كثيرة تتعلق بالشريعة المطهرة وفي خلال هذه الفترة أذن الشيخ للطلبة المقدمين أن يحضروا للمحدث الأكبر الشيخ محمد بدر الدين الحسني دروسه الخاصة , وكان فيهم الشيخ عبد الكريم , وما إن رآه المحدث الأكبر حتى كانت له به فراسة ثم خصه بدروس كثيرة كان معظمها في الفلسفة والمنطق والتوحيد واستمر على ذلك عنده نحوا من عشر سنين .
    وكان الشيخ عبد الكريم تغمده الله بالرحمة في نحو عشرين سنة واحداً من كبار أركان التدريس والدعوة والعلم والإرشاد في جميع أعمال شيخهم ومن هؤلاء من سبقه إلى رحمة الله مثل الفقيه الشافعي القليل النظير الشيخ أحمد المقداد البصري والعالم العامل الواعظ الشيخ عبد الرحمن الزعبي الطيبي وبارك الله في عمر من بقي منهم .
    هذا عرض موجز لما عرفت من ظل حياة الفقيد الأستاذ الرفاعي في ظل شيخه وعمدته العلامة والدي الشيخ محمد علي الدقر .
    أما ما عرفته من دينه واستقامته وحسن سمته أكبر من ذلك كله , فقد كان عالماً متعبداً متواضعاً , سمح النفس , تقي القلب , يألف ويؤلف , ولا تجده غاضباً إلا إذا انتهكت حرمة من حرمات الدين أو شذ أحد ممن يعرف عن طريق المتقين .
    ومن كريم أخلاقه وفاؤه الكبير لشيخه الذي كان سبب حياته الروحية والعلمية والوفاء أقل ما يستطيع فعله الرجل النبيل الذي يجازي الإحسان بالإقرار شعوراً منه بالعجز عن وفاء الإحسان بالإحسان مثله , فما نسي الشيخ عبد الكريم يوماً واحداً كل حياته بعد وفاة شيخه وكثيراً ما كان يردد بين إخوانه وطلابه ما يراه من الفضل الأكبر عليه كما يردد كلامه ومواعظه وعقيدته وشيئاً من سيرته , بل كان حيلته كلها يحب من يحب ويكره ما يكره ومن يكره , بل كان وفياً لأبنائه من بعده لا ينقطع عن زيارتهم يصحبه بعض إخوانه مادام معافىً صحيحاً .
    وأرجى أعماله وأكبرها مثوبة عند ربه إن شاء الله ما نهض به وحده من جمع الناس _ وخصوصاً منهم الشباب _ وتعليمهم والعناية بدينهم وتسليكهم طريق المؤمنين الصادقين .
    وما تقرب إلى الله أحد بشيء أحب إليه من نفع عباده بتعليمهم دينهم وتخليقهم بأخلاق القرآن , وتأديبهم بآداب النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم لا لشيء إلا ابتغاء مرضاة الله .
    وقد أثمر والحمد لله ما قام به من تعليم الناس وتثقيفهم وهدايتهم بفضل إخلاصه وطيب دخيلته وحسن نيته , فقد رأينا من تلاميذه الخطباء الذين يتكلمون بروح من الإخلاص والتقوى والغيرة لا يغرهم عن ذلك مال ولا جاه , ورأينا منهم الكثير من حفظة القرآن , كما رأينا منهم طلاب علم فيهم دين وتقوى وتواضع .
    أما بعد فما أحرانا أن نستوحي دائماً قوله تعالى : ( وأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) ، ونردد معها قوله تعالى : ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزينّ الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) .
    .................................................. ..............
    بقلم العلامة الشيخ عبد الغني الدقر
    نقلا عن مجلة التمدن الإسلامي
    العدد 5 حزيــران [/frame]1973[/gdwl]
    [/font[/frame][/COLOR][/SIZE]]
    التعديل الأخير تم بواسطة غنية عمر ; 08-02-2010 الساعة 12:18 PM


  9. #9
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الإقامة
    الجزائر
    المشاركات
    321

    افتراضي تتمة عن الشيخ عبد الكريم الرفاعي

    تدريسه في المعهد الشرعي وتأثيره في طلابه
    [frame="7 90"]وبعد إنشاء معهد العلوم الشرعية الذي أنشأته الجمعية الغراء والتي أسسها الشيخ علي الدقر رحمه الله عُين الشيخ عبد الكريم مدرسا ً فيه , هذا المعهد الذي غدا طلابه من بعد ذلك أكثر علماء دمشق والمحافظات والأردن , فما من محافظة إلا وفيها من أهل العلم من قرأ على الشيخ عبد الكريم في هذا المعهد , ويسرد له العديد من المواقف العظيمة في علمه وتعليمه , وسعة صدره وترحيبه بأي سؤال , ولا سيما في مادة التوحيد التي كثيرا ً ما يتعرض مدرسها للشبه التي يبثها أعداء الإسلام للتشكيك في العقيدة , فكان يتلقى هذه الشبه ويردها بالأدلة والبراهين المقنعة والحجج الدامغة , وما يزال يحفظها طلابه وقد بلغوا من العمر الستين والسبعين .
    إنهم يحدثوننا عن مواقف أخرى للشيخ في المعهد كعطفه وحنانه ورفقه بالطلاب وكأنه الأب بين أولاده , إن أساء أحدهم وساقه الموجه إلى الإدارة لينال عقوبته كان يسرع الشيخ ليشفع له وليكلفه في المستقبل , فيستحيي الطالب بعدها أن يكرر الإساءة فيكون هذا الموقف من الشيخ أعظم أسلوب في تربيته , وخير منهج في حسن سلوكه .
    فلقد كان الشيخ يربي طلابه بالحب لهم و الإشفاق عليهم , لا يقابل أحدا من طلابه مهما أساء إلا بالحب و النظرة الباسمة الهادئة و المعاملة الطيبة .
    إنهم يذكرون مواقفه وهو يوجههم قائلا ً : ( إنكم يا أبنائي ستكونون هداة الأمة في المستقبل وعلماء البلاد , والمدرسين لمادة التربية الإسلامية في المدارس , فحذار أن يبرز أحد للأمة وهو فارغ إلا من بعض الأحاديث والآيات التي حفظها , وتصدر بها الناس ليلقيها عليهم وها هو سيدنا عمر أدرك خطورة ذلك فقال ( تفقهوا قبل أن تسودوا ) ثم يقول إياكم يا أبنائي أن تقرؤوا مناهجكم وكتبكم المقررة لتؤدوا بها الامتحان آخر السنة ثم لتتبخر من أذهانكم , تعلموا العلم لا لتحملوا شهادة بل لتتحملوا المسؤولية بوراثة العلم ليكون النبي المصطفى الذي كان يقول ( إنما بعثت معلما )
    فتعلموا العلم ليكون حجة لكم لا ليكون حجة عليكم ( فمن كتم علما ً ألجمه الله بلجام من نار ) .
    وكان يقول : ( يا أبنائي إن تصدرتم للتعليم فأعطوا الناس من العلم على قدر عقولهم , فطعام الكبار سم ّ للصغار , وهل يمكن أن تعطي الطفل الصغير طعاما ً مليئا ً بالشحوم والدهون ؟ ! بالطبع سيؤدي إلى هلاكه , وكذلك لو أعطينا المبتدئ من العلم أصعبه , فقد يؤدي هذا إلى نفوره , فلا بد من التدرج معه في التعليم حتى يألف المسجد ويألف مجالس العلم فيه ) .
    كان رحمه الله كثيرا ً ما يواجه طلابه في المعهد قائلا ً أنتم يا أبنائي ستكونون في المستقبل قدوة وأسوة للأمة بما تحملون من شعار الإسلام وبما توقعونه عن رب العالمين من فتاوى وأحكام فإياكم والزلل , فإن زلة العالم زلة أمة بأكملها , وانحرافه سبب لانحراف كثير من الناس , وبالتالي فإن جزاءه يوم القيامة عسير وعقابه مضاعف ).
    وهو مع أنه كان مدرسا ً في المعهد فقد كان أيضا إماما ً وخطيبا ً, فقد كان يأتي قبل العصر من المعهد لينال قسطا ً من الراحة ثم ينطلق إلى جهاده في تنشئة النشء المسلم من خلال وظيفته في الإمامة والخطابة .
    فتدريسه في المعهد وإمامته في المسجد لم تكن مجرد وظيفة يؤديها أو واجب يقوم به من أجل دراهم معدودات كان يقبضها , لا , بل إنه كان صاحب مبدأ لا يحيد عنه وهو أن يسخر وظيفته لخدمة دينه وأمته سواء قبض راتبا ً أم لا , موقنا ً بقوله تعالى : (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ً ويرزقه من حيث لا يحتسب ) .[/frame]


  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الإقامة
    في ارض الله
    المشاركات
    1,675

    افتراضي رد: ترجمة الشيخ عبد الكريم الرفاعي(رحمه الله)

    الاخت الغالية غنيمة
    همتك عالية
    وطرحم مميز
    احسنت
    كتب الله اجرك ورضي عنك
    تقبلي مروري
    همسة اختي
    قمت بدمج للمشاركات لانها تتحدث عن نفس الشخصية وهي ذات الموضوع فحتى تكون حلقات متتابعة والترجمة مكتملة قمت بدمجها
    خالص تقديري حبيبتي

+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. ترجمة الشيخ سعيد العنبتاوي رحمه الله
    بواسطة ارتقاء في المنتدى منتدى التراجم
    الردود: 0
    آخر مشاركة: 12-07-2011, 02:51 PM
  2. ترجمة الشيخ عبدالرحمن شيبان رحمه الله
    بواسطة الجكني في المنتدى منتدى التراجم
    الردود: 2
    آخر مشاركة: 08-13-2011, 06:47 PM
  3. الردود: 11
    آخر مشاركة: 02-10-2011, 11:53 PM
  4. ترجمة الشيخ عبد الفتاح المرصفي رحمه الله
    بواسطة الأترجة في المنتدى منتدى التراجم
    الردود: 6
    آخر مشاركة: 06-30-2010, 06:01 PM
  5. ترجمة الدكتور / محيسن رحمه الله
    بواسطة منى العبادي في المنتدى منتدى التراجم
    الردود: 3
    آخر مشاركة: 02-14-2009, 08:30 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك