المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ترجمة الشيخ عبد الكريم الرفاعي(رحمه الله)



غنية عمر
07-29-2010, 09:43 AM
نشأته يتيما و رعاية الشيخ علي الدقر له

ولد الشيخ عبد الكريم الرفاعي عام 1320 هجري الموافق 1901 ميلادي في حي قبر عاتكة الفقير بدمشق وفي أسرة فقيرة فيه , قامت على تربيته والدته بعد أن توفي والده وهو في السادسة من عمره , وقد كان في هذه السن مريضا ً لا يرجى برؤه إلا بقدرة الله تعالى , مقعدا ً لا يقدر على المشي , لذلك قامت والدته رحمها الله بعد أن عجزت عن معالجته فحملته وهو في العاشرة من عمره إلى جامع السادات حيث كان الشيخ علي الدقر يربي فيه العديد من طلاب العلم يلتفون حوله في ذلك المسجد , وتدخل والدته على الشيخ وولدها على يديها قائلة : هذا ولدي سأضعه عندك , لعل الله ببركة العلم يبرئه , فابتسم في وجهها وتلقاه من يدها , وسلمه للشيخ عارف السمان ليعلمه القراءة والكتابة , وبقي الشيخ عند شيخه الشيخ علي شهرا ً كاملا ً ينظر إليه بعين العطف والحنان , يبصر فيه الأمل المشرق , والعالم الفذ , والداعية المجاهد , والمربي الكبير .
لقد احتضنه الشيخ علي الدقر رغم عجزه وضعفه ويتمه , ليحمل كتابه بعد شهر واحد من رعاية الشيخ له وينطلق ماشيا على قدميه يطرق الباب على أمه تعلو وجهه بسمةُ الفرح ويتهلل وجه والدته تعلوه دمعة السرور بشفاء ولدها ببركة العلم .
وتمضي سنوات عليه وهو ينهل من المعين الصافي والقلب الفياض إلى أن جاءت والدته إلى الشيخ الدقر تشكو ولدها عبد الكريم لانقطاعه لطلب العلم حيث كان يبيت أياما ً طوالا ً لا يأتيها ولا تراه كما طلبت من الشيخ أن يذهب ولدها للعمل لأنه لا يوجد من يعيلها, فقال لها الشيخ : هل له أخ ؟
قالت نعم , قال ما رأيك أن تجعلي ذاك لدنياك وهذا لآخرتك ؟
وما هي إلا لحظات إلا وأجهشت بالبكاء قائلة : رضيت يا سيدي رضيت , وعادت سعيدة بهذه القسمة , والتي آل الأمر فيها ليكون الشيخ رحمه الله كنزا ً لدنياها وذخرا ً لآخرتها , ذلك أنه لما أصبح شابا ً وغدا مدرسا ً في معهد العلوم الشرعية تنكز كان لا يخرج من البيت قبل أن يلبس جبته ويضع عمامته ثم يأتي إلى أمه وينكب على قدميها يمرغ لحيته بتلك القدمين واليدين اللتين حملتاه إلى الشيخ الدقر يفعل هذا كل يوم وهي تقول له : اللهم أعز عبد الكريم اللهم ارفع جاهه .

غنية عمر
07-29-2010, 09:51 AM
المربي القدوة و بلاغة الحال


أما عن سلوكه الشخصي رحمه الله سواء في بيته مع أهله وأولاده أو في المسجد مع طلابه أو في المعهد مع تلامذته أو مع عامة الناس في تودده ومحبته , فلقد كان القدوة المثلى يعلم بسلوكه أكثر من كلامه ويوجه بأفعاله أكثر من أقواله .
ذلك أن زلة العالم زلة الأمة بكاملها , وخطأ المربي يتعدى إلى من يربيهم , فمهما حذَّر من فعل المنكر وخطره وسوء عاقبته , وكان فعله يخالف قوله باقترافه له كان كلامه هباء منثورا ً .
لذلك كانت عقوبة العالم عند الله شديدة وحسابه عسيرا ً , وقد ورد في الحديث : بأنه (يؤتى بالرجل العالم فتندلق أقتابه في النار فيدور فيها كما يدور الحمار برحاه , فيأتيه الناس ويقولون : أما كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟؟, فيقول كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه ) .
نعم , لقد كان الشيخ رحمه الله – ولا نزكي على الله أحدا - طاهرَ الظاهر والباطن , نقي السر والعلن , عرفه القاصي والداني , والبعيد والقريب بعلمه وعمله , بزهده وورعه , بتواضعه وتياسره , بصبره وتحمله .
ما كان يدعو الناس إلى مكارم الأخلاق مع أهله أو مجتمعه ثم يخالف قولَه فعلُه , وما عرف أتباعه أنه نصحهم بالزهد ثم رأوه مترفا ً في معيشته , وما كان ليأمر بالتواضع والتسامح والعفو ثم يحاول أن يثأر وينتقم أو يتجاوز الحق ولو على نفسه .


الشيخ في بيته مع أهله وأولاده

ها هو في بيته كما يروي أولاده و ذووه أنه كان لا يغضب إلا إذا رأى مخالفة أو تقصيرا في حق من حقوق الله , فلا يعاتب ولا يخاصم إن وجد تقصيرا في حقه , فإن تأخر صنع الطعام يوما ً وكان ملتزما ً بوعدٍ ما أكل ما وجِد وكيفما اتفق دون عتاب على التأخير أو إظهار أي انزعاج .
كان يتودد إلى الصغار بالمداعبة والتصابي لهم , كما يتودد إلى الكبار بالمزاح دون تجاوز للحد , يغض الطرف عن الهفوات , ويتغابى عن الأخطاء التي ليس في فعلها حرمة أو كراهة متمثلا قول الشاعر :
ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي
كان يترك كل ما يخص البيت في جزئياته ويجعل كامل الحرية فيها لزوجه رحمها الله التي عرفت برجاحة عقلها وحسن معاملتها وتدبيرها , لاسيما عندما وجدت من زوجها الخلق الكريم والمعاملة الحسنة , والإخلاص لله في العمل فشاركته في الأجر عندما جعلت من نفسها الأم الحنون لكل طالب من طلاب المسجد ,فكانت في خدمتهم و خدمة الضيوف من بعد صلاة الفجر وحتى متصف الليل , لم يعرف عنها أنها نامت في النهار ساعة في يوم من الأيام أو طلبت الراحة من عناء الخدمة , بل على العكس كانت تجد الراحة في أن تشاطر زوجها العمل بما تقدمه لطلاب العلم وضيوف الشيخ رحمه الله .
لذلك كانت إذا سافر الشيخ إلى الحج تعاني من قلة الضيوف فتقول لأولادها : قوموا وادعوا إخوانكم في المسجد لتناول الطعام , فإنني أجد الأنس والراحة والسعادة بقدومهم وقيامي على خدمتهم .
ومن أغرب الطرائف التي حصلت مع زوجة الشيخ في أول بدء نهضته وعمله في حي قبر عاتكة , إذ كان مع أخيه المتزوج في بيت واحد مؤلف من غرفتين ومطبخ مستقلا كل منهما بواحدة , وكان إذ ذاك مدرسا في المعهد في النهار ويعطي الدروس في المسجد مساء , وجاء إليه طلابٌ تفرس فيهم الثبات في العمل والدعوة في المستقبل وطلبوا منه درسا يوميا فلم يجد وقتا يعطيهم إلا قبل الفجر بساعة فوافقوا , وكانت زوجة الشيخ رحمهما الله تستيقظ وتقف في المطبخ لتصنع الحليب والشاي تكرم به طلاب العلم , وحدث مرة أنها كانت حاملا في شهرها التاسع , والطلاب قبل الفجر في الدرس مع الشيخ , وجاءها المخاض وهي في المطبخ , فما كان من والدة الشيخ رحمها الله إلا أن فرشت لها المطبخ بعد أن أرسلت إلى القابلة التي تسكن بجوارهم وتمت الولادة بغاية اليسر والمعونة من الله , وخلال نصف ساعة فقط تنادي والدة الشيخ ولدها وهو في درسه ودموع الفرح على وجنتيها مع بسمة الرضا عن ولدها : أن أبشر يا ولدي ببنية فلقد ولدت زوجك , فقال : كيف لا تخبريني يا أمي بأنها في حالة مخاض , قالت : لا عليك , إن انشغالك مع طلاب العلم جعل رعاية الله وعنايته وسكينته تشمل زوجك في ولادتها , وكان سببا في تيسير الوضع والحمد لله .
واستمرت زوجة الشيخ بعد وفاة والدته في تفانيها بالخدمة والتضحية , ولم تتذمر يوما من الأيام لتأخر زوجها عنها ما دام قد تأخر في مرضاة ربه , ولم تضجر بتركه رعاية الأولاد لها لأنها تعلم بأن الله لن يتخلى عنها وعن أولادها ما دام زوجها مشغولا في علمه وتعليمه .
ولقد كانت رحمها الله مع ما كانت عليه من خدمة العلم تستقبل الداعيات اللاتي يتلقين الدروس على الشيخ صباح كل يوم مرحبة بهن غاية الترحيب وتهيئ الجو المناسب , من وضع الستارة بين الغرفتين نزولا عند رغبة الشيخ رحمه الله .
كما كانت تستقبل الأرامل وأمهات الأيتام والعجائز والفقيرات لتسمع عن حالهن وفقرهن فتوصله إلى زوجها ودموعُها تنهمر من عينيها حزنا عليهن ليقوم بدوره عن طريق الجمعيات الخيرية التي أسسها فيسد حاجتهن ويكرمهن غاية الإكرام .
هذا الحال من الشيخ في بيته جعل أولاده يتأثرون بفعاله وسلوكه وحسن تربيته , بل وجدوا من أبيهم أكثر مما يجدونه خارجه عبادة وذكرا ً وتوجيها ً , إذ كان لا يستيقظ أحدهم ليلا ً إلا ويجد الشيخ تاليا ً للقرآن , أو ممسكا ً بكتاب , أو حاملا ً السبحة يذكر الله , مما جعلهم يسيرون على نهج والدهم في العلم والتعليم والدعوة إلى الله , ولا شك بأن التزام الداعية في بيته وبين أولاده له الأثر الأكبر في استقامة أولاده والتزامهم بمبدأ أبيهم .
أما إذا كان الداعية يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر على المنابر وفي المحافل العامة , فإذا جاء البيتَ ارتدى قناعا ً آخر من التساهل في أمور الدين وعدم مراعاة ما يدعو إليه الناس خارج البيت , أو يعامل الناس معاملة حسنة فإذا دخل البيت انقلب فظا ً غليظا ً فإن ذلك ينعكس بالذات على أهله وأولاده وأقرب الناس إليه بالتفلت و عدم الالتزام , و ذلك لما يرونه من أبيهم الداعية ومخالفة فعله لما يدعو الناس إليه ويحثهم عليه , فأين الداعية من قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ,كبر مقتا ً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) .

زهده و ورعه
لقد كان الشيخ رحمه الله لا يقصر في الضروريات والحاجيات سواء على مستوى المسجد في كل ما يتطلبه العمل أو على مستوى حياته الخاصة , ولا يأبه للكماليات بل يكرهها لأنه يعتقد أنه كلما ازداد الإنسان من الكماليات ازداد طمعا و جشعا فينشغل بها عن عبادته , وتأخذ حيزا ً كبيرا ً من تفكيره وذهنه , وتصرفه عن عظائم الأمور مما يهم المسلمين , فكان بيته وسطا , لا هو بالصغير الذي يضيق بأهله وضيوفه , ولا هو بالكبير الذي يزيد عن حاجته , فكلما كبر أولاده اضطر لتوسيع داره دون أن يبذخ في زخرفته أو أثاثه , رغم أنه لو أراد أن يبني قصرا ً , أو أن يعيش حياة كبار الأثرياء ما احتاج الأمر لأكثر من إشارة , لأن حوله من أغنياء البلد وتجارها ممن يتمنى لو يقدم ماله كله أو ليضع تجارته وكل ما يملك تحت تصرف الشيخ , لكنه رحمه الله كان يجعل حديث المصطفى صلى الله عليه سلم نصب عينيه : (ازهد في الدنيا يحبك الله , وازهد فيما عند الناس يحبك الناس ) , فلا يتطلع إلى أموالهم , ولا يميل قلبه إلى لقائهم إلا إذ صرفوا دنياهم في مرضاة الله وأنفقوها في سبيله .
وكان رغم زهده في الدنيا يدفع طلابه للعلم والمعرفة في شتى المجالات الدينية والدنيوية من طب وهندسة وزراعة وتجارة وصناعة , لبعد نظره وسعة أفقه تجاه هذا العصر الذي عاش فيه , من حاجة المجتمع إلى رجال ثقات و أمناء ومخلصين في تلك المهن وحاجة الأمة إلى أغنياء وأثرياء , وأسخياء وكرماء , إذا ما دعت الحاجة تراهم ينفقون دون أدنى تردد , ومن أدل الدلائل على زهده أنه توفي رحمه الله ولا يملك من الدنيا إلا سبعين ليرة سورية فقط , أما بيته الذي كان يسكنه فقد قسمه بين أولاده في حال حياته حسب القسمة الشرعية , فكان نصيب كل ولد منه لا يزيد عن غرفتين فقط , لكنه ترك لهم إرثا ً معنويا ً لا يوزن بملء الدنيا ذهبا , وذهب إلى ربه زاهدا ً في الدنيا راغبا ً بما عند الله في الآخرة من جنة عرضها السماوات والأرض .
كما كان رحمه الله زاهدا ً في المناصب والمراكز , فلم يسع ليحتل منصبا ً أو يصل إلى شهرة , وكان يفسح المجال في المناصب الدنيوية لغيره من أهل العلم لزهده فيها أولا ً , ولانشغاله بما هو أهم ثانيا ً , غير أن الله تعالى سخر له قلوب أصحاب المناصب بالمحبة والمودة وجندوا أنفسهم لخدمته وتلبية طلباته في كل ما يتعلق بطلابه خاصة وبالمسلمين عامة , فكان إذا أرسل أحدَ طلابه إلى مجلس الأوقاف لتعيينه إماما ً وخطيبا ً , وكان المجلس يعين لجنة لاختبار المتقدمين لهذه الوظائف الدينية , فبمجرد معرفتهم أنه من طلاب الشيخ عبد الكريم يتم تعيينه دون تردد من الجميع لمعرفتهم أن الشيخ لا يرسل من طلابه إلا من تحقق فيهم كامل الأهلية والاستعداد علما وعملا ودعوة إلى الله .

ارتقاء
07-30-2010, 10:39 PM
جزاك الله خيرا اختنا الفاضلة وجزى مشايخنا عنا خير الجزاء
ونفعنا بعلمهم
ما قدمت قيم ومميز
احسنت

اكليل الشموخ
07-31-2010, 12:47 AM
http://www.upislam.com/images/44998273680255576875.gif

زادك الله أختي غنيمة علماً وعملاً
تقبلي مروري.

غنية عمر
07-31-2010, 12:23 PM
جزاك الله خيرا اختنا الفاضلة وجزى مشايخنا عنا خير الجزاء
ونفعنا بعلمهم
ما قدمت قيم ومميز
احسنت



جميل مروركم أختي ارتقاء

و كم أسعدنا ثناؤكم المميز

لا عدمنا هذه الطلة



http://badira.own0.com/users/2213/17/28/64/album/m5znk-10.gif

غنية عمر
07-31-2010, 12:31 PM
http://www.upislam.com/images/44998273680255576875.gif

زادك الله أختي غنيمة علماً وعملاً
تقبلي مروري.


بارك الله فيك أختي إكليل الشموخ

مرورك عطر الموضوع و زاده جمالا


مودتي

غنية عمر
07-31-2010, 12:40 PM
تواضعه وتذلله في عبوديته لربه

لقد عُرف الشيخ بتواضعه وتحققه في العبودية لله , فكان يرفض المدح والثناء من أي شخص حيث إنه كان معترفا ً بضعفه وفقره سواء أقبلت الدنيا أم أدبرت , فما من موقف ينتصر الشيخ فيه على خصومه أو يخرج من حفل تعالت فيه أصوات الأمة بحياة الشيخ معبرة عن احترامها وتقديرها إلا ويجمع طلابه قائلا ً : ( يا أبنائي أنا أعرف الناس بنفسي , أنا الفقير والضعيف , أنا المسكين والجاهل , هذه بدايتي ومازلت مقرا ً ومعترفا ً بفقري وذلي وجهلي , فإن وجدتم توفيقا ً ونجاحا ً في احتفال أقمتموه أو عمل فعلتموه , فبفضل الله أولا و آخرا ً , فإياكم أن يصيبكم عجب أو غرور بفصاحتكم وتأثيركم ومدح الناس لكم , فكلنا عبيد لله أجرى الخير على أيدينا , وجعل أفئدة الناس تهوي إلينا فضلا منه سبحانه , ولو شاء لسلب هذا الفضل منا واستبدل بنا آخرين , فبقدر عبوديتكم لله واعترافكم بضعفكم وجهلكم يمدكم الله بالقوة والعلم والتأثير ).
ولقد أكرمنا الله مرة بزيارة العالم المحدث فضيلة الشيخ عبد الله سراج الدين عالم حلب وفقيهها رحمه الله تعالى , فقال لنا : من فضل الله علي أنني زرت الشيخ عبد الكريم ونزلت من حلب بقصد زيارته , والتقيت به ساعة عرفت فيه ما لم يعرفه كبار طلابه وأولاده , قلنا له ماذا رأيت فيه يا سيدي ؟ قال : لمست فيه العبودية لله بكل معانيها فكما أن الأنبياء على قسمين نبي ملك ونبي عبد , فالنبي الملك مثل داود وسليمان ,
والقسم الثاني : نبي عبد كنبينا عليه الصلاة والسلام الذي عرض عليه ما لم يعرض على داود وسليمان وجميع الأنبياء فرفض كل ذلك وآثر المسكنة بقوله (اللهم أحييني مسكينا وتوفني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين ) , ليتحقق بتمام العبودية لله تعالى , فأعطاه الله من الفتح والنصر والعز والخلود في الأثر ورفع الذكر ما لم يعطه أحدا ً من العالمين , فلئن اتصف بصفة الملك بعض الأنبياء واتصف بالعبودية البعض الآخر , فكذلك الأولياء فإن منهم من هو ولي ملك , ترى فيه من الأوصاف التي تستغربها إذا لم تجدها في ولي آخر يتصف بالعبودية لله والتذلل بين يديه طاهرا وباطنا.
لقد ترجم الشيخ عبد الله سراج الدين شيخنا عبد الكريم بأنه (ولي عبد) أجرى الله على يديه ما لم يجره على يد غيره من كبار العلماء والأولياء لتحققه بهذا الوصف .
نعم لقد كان متواضعا ً متذللا ً بين يدي الله كما وصفه الشيخ سراج الدين , لا يحب المدح بل ينزعج منه , ويظهر أثر الانزعاج على وجهه , فلقد جاءه مرة أحدُ كبار طلابه , وجعل يذكر شخصيات كبيرة أثنت على الشيخ وهو يسمع ويتشاغل , ثم يعود هذا الأخ أن فلاناً وفلانا ذكروك يا سيدي في أحد المحافل وأثنوا على مواقفك , والشيخ يحاول صرف الموضوع , فما كان منه رحمه الله إلا أن التفت إلى هذا الأخ وهو يقول : كفاك يا بني , والله إن المدح كالرصاص يصيب صدري ويؤلم قلبي ...
فسكت الأخ وكان درسا ً له ولغيره من أن يتأثر بمدح الناس أو ثنائهم , وكان القدوة العملية في ذلك رحمه الله .
ولقد جاء مرة الشيخ أحمد الحبال أحد كبار صالحي دمشق , يزور الشيخ ويقول : لقد كنت في المدينة المنورة , وفي إحدى الليالي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورتك , وإذا بالشيخ يوحي للشيخ أحمد أنه سمع طرق الباب , فنادى : نعم , نعم , وقام ثم دخل إلى الضيف ليبادره الحديث قائلا ً : كيف حال المدينة وأهلها وجوها , يريد بذلك أن يغير الحديث عن الرؤيا , وإذا بالشيخ أحمد يعود ليسرد ما تبقى منها , فما كان من الشيخ عبد الكريم إلا أن قال له : يا سيدي , أين نحن من الرسول الأعظم في أخلاقه وجهاده ؟ أين نحن من كذا وكذا ؟ وذلك لأنه رحمه الله كان يخشى على نفسه كثيرا ً من أن يصيبه عجب أو غرور , فيحاول أن يتشاغل عند سماع مدح أو ثناء , أو حتى عن مثل هذه الرؤيا التي تكررت على لسان العديد من الصالحين , فلا يفسح المجال لأحد أن يتكلم بها أو أن يذيعها , بل كثيرا ً ما يتهم نفسه بقلة العلم والتقصير في العبادة والدعوة .

دخل مرة إلى المسجد مساء الثلاثاء ليلقي درسه العام , والمسجد يغص بالأعداد الكبيرة من الشباب , ودراجاتهم خارج المسجد بالمئات , يصفُّها ويرتبها أحد الطلاب مع بعض إخوانه , ويأتي ذلك المسؤول عن ترتيب الدرجات ليسلم على الشيخ , فقال له : ماذا تفعل يا بني ؟ قال : يا سيدي أصف الدراجات كي لا يتعثر بها أحد , فقال له الشيخ : يا بني أنت تقوم بهذه المهمة , وأنا الآن سأدخل إلى المنصة في صدر المجلس لألقي الدرس أمام هذه الجموع الغفيرة , لكن من الأفضل عند الله ؟ (الله أعلم) ! يا بني , قد تكون أفضل مني وأسألك الدعاء .
هذه الكلمة (لعلك يا بني أفضل مني عند الله ) سمعها عنه طلابه الخطباء الذين كانت دمشق تشير إليهم بالبنان علما ً وثقافة وأسلوبا ً , كانت هذه الكلمة من الشيخ أعظم درس , تعلموا من خلاله نكران الذات ورد الفضل في علمهم وتعليمهم وجهادهم إلى الله تبارك وتعالى .


حديث عن الحب وترجمته بالتطبيق

كان الشيخ رحمه الله كثيرا ً ما يتكلم عن الحب في الله , ويركز على هذا المعنى في معظم دروسه , ويعيشه بأمثلة عملية بين طلابه وإخوانه والناس من حوله , كان يقول : نحن لا يجمعنا في المسجد علم ولا ذكر , وإنما يجمعنا الحب في الله , فبالحب نعلِّم ونتعلم , وبالحب نذكر ونتذاكر , وبالحب نجتمع على تلاوة القرآن , وبالحب ننطلق للدعوة إلى الله , ولولا الحب لما التقينا ولما صبر بعضنا على بعض , وكثيرا ً ما يأتي في دروسه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم :
(والذي نفسي بيده , لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا , ولا تؤمنوا حتى تحابوا ...) .
ويأتي بالحديث القدسي : ( أين المتحابون فيَّ ؟ اليوم أظلهم تحت ظلي يوم لا ظل إلا ظلي )
وكان يسأل طلابه في درسه ما كان يسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : (أيُّ عرى الإيمان أوثق) فيقول أحدهم : الصلاة , فيقول : حسن , وليس بذاك , فيقول الآخر : الزكاة , فيقول : حسن , وليس بذاك ... إلى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ) .
وكان يؤكد أن من لوازم هذا الحب : أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك , أن تتألم لألمه وأن تفرح لفرحه . ولقد كان يترجم حديثه عن الحب بإيثاره وصدقه في حبه لطلابه وإخوانه , حتى إن كثيرا ً من الناس كانوا يظنون العديد من طلابه أولاده لما يرون من اهتمام الشيخ بهم وحرصه على مصالحهم حرص الأب على أبنائه .


الحب يصنع المعجزات

ولقد أصيب مرة أحد طلابه الكبار بمرض شديد في رأسه , وبعد الفحوصات والمعاينات الطبية في أشهر مشافي دمشق تبين أن معه ورما ً في المخ , ويحتاج إلى عملية جراحية في رأسه لم تكن تتوفر في دمشق حينئذ إمكانات القيام بها , فقال الشيخ لطلابه من الأطباء والصيادلة : تدارسوا الموضوع في أسرع وقت لإرساله إلى أي بلد ترونه مناسبا خارج سوريا , وكان الطالب المريض آنئذ فقيرا ً وتربى يتيما ً , لكنه نادر الذكاء والعلم , وكان مدرساً في المسجد , والشيخ يحبه كثيرا ً لما يجد فيه من التفاني في الدعوة والعلم والتعليم , وبعد دراسة المختصين لهذا الأمر اقترحوا إرساله إلى إحدى المستشفيات العالمية في الخارج , ولكنها تحتاج إلى مبلغ كبير , فأخبروا بذلك الشيخ , فقال : والله لو كلفني الأمر أن أبيع بيتي الذي أسكنه , وثوبي الذي ألبسه لما قصرت في إنقاذه , فهو بمثابة ولدي وواحد من أبنائي , ويجمع الشيخ إخوانه ويتحدث إليهم في أن يعبروا عن حبهم ومودتهم لأخيهم الذي أشرف على الموت .
وإذا بالحب الذي ملأ قلوبهم بمحبة بعضهم يتفجر اندفاعا ً لإنقاذه بذلا ً وسخاء ً والتجاء ً إلى الله أن يعافيه , ويتوافدون يقدم كل واحد من إخوانه ما لديه من مال , ولا ننسى أحدهم عندما جاء بمهره الذي جمعه خلال سنوات ليتم زواجه خلال تلك الفترة ويضعه بين يدي شيخه , فيقول له الشيخ : وزواجك يا بني ؟ فيقول : يا سيدي , إن لم أتزوج هذه السنة فإنني سأتزوج إن شاء الله بعد سنتين أو ثلاث , ولا حرج علي بالتأخير , أما أخي فإن تأخير عمليته يوما ً واحدا ً يشكل خطورة على حياته , فو الله يا سيدي إنني أقدم هذا المبلغ طيبة به نفسي راجيا ً من الله أن يعافيه .
ويسافر هذا الأخ المريض لإجراء العملية , ويستنفر إخوانه مع الشيخ بالدعاء والابتهال إلى الله وكثرة الصدقات بنية الشفاء له , حتى إن أولاد الشيخ يتحدثون أنهم كانوا يصنعون الطعام بعد أذان المغرب في رمضان ويجلسون على المائدة , فما يكاد الشيخ يضع لقمة في فمه إلا ودمعة الألم تسيل على وجنتيه , ويتوقف عن الطعام , فيقول له أهله : مالك يا سيدي ؟ فيقول : ولدي ... الآن في خطر , نعم إنه بمثابة ولده بالعطف والحنان .
لقد نظر الله إلى صنيعهم مع أخيهم المريض , وسمع دعاء شيخه له أو يضيعه ربه ؟ لا والله أبدا ً , لقد أجريت له الفحوصات ثانية فتبين صحة الفحوصات الأولى , ولا بد من استئصال الورم بعملية جراحية , حددوا له أسبوعا ً لإجرائها , وقبل العملية بيوم واحد قاموا بتصوير محل الورم فلم يجدوا أثرا ً له , أعادوه مرات فوجدوا أنه زال نهائيا ً , ما الذي جرى؟ ما الذي حصل ؟ ... لا ندري .
لقد سكن ألمه , ويعود إلى شيخه وإخوانه ومعه تقرير الأطباء هناك , والذي يقول : إن ما حصل فوق علمنا , ولا يمكن لنا تفسيره , كما سئل طبيب آخر هناك , فقال : إنها فلتة طبية .
ويعود الأخ المريض بتمام الصحة والعافية ويتهلل وجه الشيخ وإخوانه بالفرح والسرور في أن الله تعالى لم يخيب رجاءهم ودعاءهم , ولم يضيع حبهم وفداءهم سدى , بل أراهم كرامة بأم أعينهم حتى يزدادوا يقينا ً بالله وثقة بأن حبهم في الله سند لهم في الدنيا ونجاة لهم في الآخرة .
وها نحن نروي قصة بعد هذا العمر الطويلً من حدوثها والأخ لا يزال حيا ً يرزق ينعم بفضل الله وكرامته , ويذكر أن ما أعجز الطب وأهله لم يكن ليعجز الخالق في إبراء علته , ويعلم جميع إخوانه ومن يعرفه بأن هذه الكرامة كانت بفضل الحب في الله وصدق الأخوة فيما بينهم , إذ ضربوا به أروع الأمثلة بالفداء والإيثار في حوادث أخرى أيضا ً ,
و جاء مرة أحد الإخوة للشيخ قائلا ً : يا سيدي , أخي عدنان مكفوف البصر ولي عينان , فإن أمكن للطب الحديث أن يجري عملية يأخذ إحدى عيني لأخي ليبصر بها كما نبصر , فو الله إنها أمنيتي وراحة قلبي , وتمضي الأيام ويأتي للشيخ مرة أخرى قائلا ً : يا سيدي , أتذكر أنني تبرعت بعيني فإنني أشعر الآن بأن لي عينا واحدة والثانية ليست ملكي , فهل أجريتم البحوث الطبية بخصوص نقلها لأخي أم لا ؟ بقي يتابع بإلحاح حتى علم أنه لا يمكن نقلها لتلف الخلايا ....
وما أكثر هذه الأمثلة التي قل نظيرها وندر وجودها في زماننا الذي طغت فيه المادة حتى أصبح كل واحد لا يفكر إلا بنفسه وما يجلب المصلحة لشخصه وأسرته , فكان الشيخ رحمه الله يتكلم بالحب ليصهر الجميع فيصبحوا جسدا ً واحدا ً , إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر

غنية عمر
08-02-2010, 12:11 PM
العالم العامل

الشيخ عبد الكريم الرفاعي

يرحم الله الوالد – العلامة الشيخ علي الدقر - , كان في تعليمه وتسليكه مثلاً رائعاً , كان يبذل أعظم جهده في أن يجعل من طالب العلم الشرعي القدوة الصالحة في عمله ودينه وخلقه , وما كان _ يرحمه الله _ يعتقد الخير في طالب العلم يملأ دماغه ويهمل قلبه , تهدر أشداقه بالتعالم والتعالي , ولي اللسان باَلإغراء والمراء والمطاولة .
كما لم يكن يركن لطالب العلم يتخذ من علمه وسيلة لدنيا يصيبها أو وظيفةٍ ينالها أو جاهٍ يسعى إليه .
وكان سعيه كله أن يتعهد طلابه – مع العلم – بالتربية الصوفية الصافية التي تزكي النفس وتطهر القلب ،وتجعل من طالب العلم داعية للدين ،مخلصاً ، مضحياً ،في سبيله بكل متعه وشهواته ،بل بكل ما في الدنيا ،فكل ما فيها عرض زائل .والتربية الصوفية إذا قصد بها تهذيب النفوس وتطهيرها من الآفات وإشغال القلب بالعمل والطاعة والذكر ،وتصحيح المعاملة على السنة _كما كان يفعل السلف الصالح _ هي التربية المنتجة المفيدة التي تصنع العجائب , وإلا فهي تفلسف فارغ .
هذه سبيله _ يرحمه الله _ في تربية طلابه : علم عمل وإخلاص , وهكذا كان كثير من تلاميذه الذين أضحوا في حياته علماء يُنتفع بعلمهم ويُهتدى بهديهم .
وكان منهم العالم العامل المربي الشيخ عبد الكريم الرفاعي ، كان أول أمره فتى مريضاً عاجزاً , ليس فيه من أمارات الحياة إلا تردد النفس , حين أُتي به أول مرة إلى مجلسه بقصد التبرك والاستشفاء وكان مجلسه هذا مجلس وعظ وإرشاد , وكان إقبال الناس عليه وانتفاعهم به وما فيه من الخير والصفاء منقطع النظير في تلك السنين حتى ما يزال هذا الأثر العظيم يتردد ذكره على لسان من أدركوه , وكان هذا الأثر مبهجاً للمؤمنين غائظاً للمنحرفين .
وأقبل الفتى على العلم وانتظم في حلقاته يقرأ على المقدمين من تلاميذ الشيخ , وهكذا كانت السنة في التعلم والتعليم في نظام الشيخ ، يُقرئ الشيخ المقدمين من الطلبة ويُقرئ المقدمون من أتى بعدهم .
وسقا الله عهوداً كان الطلبة يجلسون فيها بين يدي شيوخهم يقرؤون تحقيقاً وتدقيقاً في العلم الواحد كتباً من أولها إلى آخرها يبدؤون بالأقل والأسهل وينتهون بالأكبر والأعمق ولا يقبلون على الدرس إلا بعد مراجعة ما قرؤوا بإمعان وتدقيق الدرس المقبل , وهذا كان يحمل أساتذتهم على ألا يتركوا شاردة ولا واردة مما يتعلق بدرسهم إلا استوعبوها واستحضروها .
وعلى هذه الطريقة بدأ المرحوم الشيخ عبد الكريم الرفاعي يطلب العلم ، وما برح يجدُّ ويتقدم حتى صار من الطلبة المقدمين الأساتذة الذين لهم أن يحضروا الدروس الخاصة للشيخ , وممن له حلقة بل حلقات يعلم فيها إخواناً محدثين ممن أتى بعده .
وانطلق على هذه الحال يتعلم ويعلم , بل يتعلم وهو يعلم حتى أتقن علوماً كثيرة تتعلق بالشريعة المطهرة وفي خلال هذه الفترة أذن الشيخ للطلبة المقدمين أن يحضروا للمحدث الأكبر الشيخ محمد بدر الدين الحسني دروسه الخاصة , وكان فيهم الشيخ عبد الكريم , وما إن رآه المحدث الأكبر حتى كانت له به فراسة ثم خصه بدروس كثيرة كان معظمها في الفلسفة والمنطق والتوحيد واستمر على ذلك عنده نحوا من عشر سنين .
وكان الشيخ عبد الكريم تغمده الله بالرحمة في نحو عشرين سنة واحداً من كبار أركان التدريس والدعوة والعلم والإرشاد في جميع أعمال شيخهم ومن هؤلاء من سبقه إلى رحمة الله مثل الفقيه الشافعي القليل النظير الشيخ أحمد المقداد البصري والعالم العامل الواعظ الشيخ عبد الرحمن الزعبي الطيبي وبارك الله في عمر من بقي منهم .
هذا عرض موجز لما عرفت من ظل حياة الفقيد الأستاذ الرفاعي في ظل شيخه وعمدته العلامة والدي الشيخ محمد علي الدقر .
أما ما عرفته من دينه واستقامته وحسن سمته أكبر من ذلك كله , فقد كان عالماً متعبداً متواضعاً , سمح النفس , تقي القلب , يألف ويؤلف , ولا تجده غاضباً إلا إذا انتهكت حرمة من حرمات الدين أو شذ أحد ممن يعرف عن طريق المتقين .
ومن كريم أخلاقه وفاؤه الكبير لشيخه الذي كان سبب حياته الروحية والعلمية والوفاء أقل ما يستطيع فعله الرجل النبيل الذي يجازي الإحسان بالإقرار شعوراً منه بالعجز عن وفاء الإحسان بالإحسان مثله , فما نسي الشيخ عبد الكريم يوماً واحداً كل حياته بعد وفاة شيخه وكثيراً ما كان يردد بين إخوانه وطلابه ما يراه من الفضل الأكبر عليه كما يردد كلامه ومواعظه وعقيدته وشيئاً من سيرته , بل كان حيلته كلها يحب من يحب ويكره ما يكره ومن يكره , بل كان وفياً لأبنائه من بعده لا ينقطع عن زيارتهم يصحبه بعض إخوانه مادام معافىً صحيحاً .
وأرجى أعماله وأكبرها مثوبة عند ربه إن شاء الله ما نهض به وحده من جمع الناس _ وخصوصاً منهم الشباب _ وتعليمهم والعناية بدينهم وتسليكهم طريق المؤمنين الصادقين .
وما تقرب إلى الله أحد بشيء أحب إليه من نفع عباده بتعليمهم دينهم وتخليقهم بأخلاق القرآن , وتأديبهم بآداب النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم لا لشيء إلا ابتغاء مرضاة الله .
وقد أثمر والحمد لله ما قام به من تعليم الناس وتثقيفهم وهدايتهم بفضل إخلاصه وطيب دخيلته وحسن نيته , فقد رأينا من تلاميذه الخطباء الذين يتكلمون بروح من الإخلاص والتقوى والغيرة لا يغرهم عن ذلك مال ولا جاه , ورأينا منهم الكثير من حفظة القرآن , كما رأينا منهم طلاب علم فيهم دين وتقوى وتواضع .
أما بعد فما أحرانا أن نستوحي دائماً قوله تعالى : ( وأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) ، ونردد معها قوله تعالى : ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزينّ الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) .
.................................................. ..............
بقلم العلامة الشيخ عبد الغني الدقر
نقلا عن مجلة التمدن الإسلامي
العدد 5 حزيــران 1973[/gdwl][/font[/frame][/COLOR][/SIZE]]

غنية عمر
08-02-2010, 12:24 PM
تدريسه في المعهد الشرعي وتأثيره في طلابهوبعد إنشاء معهد العلوم الشرعية الذي أنشأته الجمعية الغراء والتي أسسها الشيخ علي الدقر رحمه الله عُين الشيخ عبد الكريم مدرسا ً فيه , هذا المعهد الذي غدا طلابه من بعد ذلك أكثر علماء دمشق والمحافظات والأردن , فما من محافظة إلا وفيها من أهل العلم من قرأ على الشيخ عبد الكريم في هذا المعهد , ويسرد له العديد من المواقف العظيمة في علمه وتعليمه , وسعة صدره وترحيبه بأي سؤال , ولا سيما في مادة التوحيد التي كثيرا ً ما يتعرض مدرسها للشبه التي يبثها أعداء الإسلام للتشكيك في العقيدة , فكان يتلقى هذه الشبه ويردها بالأدلة والبراهين المقنعة والحجج الدامغة , وما يزال يحفظها طلابه وقد بلغوا من العمر الستين والسبعين .
إنهم يحدثوننا عن مواقف أخرى للشيخ في المعهد كعطفه وحنانه ورفقه بالطلاب وكأنه الأب بين أولاده , إن أساء أحدهم وساقه الموجه إلى الإدارة لينال عقوبته كان يسرع الشيخ ليشفع له وليكلفه في المستقبل , فيستحيي الطالب بعدها أن يكرر الإساءة فيكون هذا الموقف من الشيخ أعظم أسلوب في تربيته , وخير منهج في حسن سلوكه .
فلقد كان الشيخ يربي طلابه بالحب لهم و الإشفاق عليهم , لا يقابل أحدا من طلابه مهما أساء إلا بالحب و النظرة الباسمة الهادئة و المعاملة الطيبة .
إنهم يذكرون مواقفه وهو يوجههم قائلا ً : ( إنكم يا أبنائي ستكونون هداة الأمة في المستقبل وعلماء البلاد , والمدرسين لمادة التربية الإسلامية في المدارس , فحذار أن يبرز أحد للأمة وهو فارغ إلا من بعض الأحاديث والآيات التي حفظها , وتصدر بها الناس ليلقيها عليهم وها هو سيدنا عمر أدرك خطورة ذلك فقال ( تفقهوا قبل أن تسودوا ) ثم يقول :( إياكم يا أبنائي أن تقرؤوا مناهجكم وكتبكم المقررة لتؤدوا بها الامتحان آخر السنة ثم لتتبخر من أذهانكم , تعلموا العلم لا لتحملوا شهادة بل لتتحملوا المسؤولية بوراثة العلم ليكون النبي المصطفى الذي كان يقول ( إنما بعثت معلما )
فتعلموا العلم ليكون حجة لكم لا ليكون حجة عليكم ( فمن كتم علما ً ألجمه الله بلجام من نار ) .
وكان يقول : ( يا أبنائي إن تصدرتم للتعليم فأعطوا الناس من العلم على قدر عقولهم , فطعام الكبار سم ّ للصغار , وهل يمكن أن تعطي الطفل الصغير طعاما ً مليئا ً بالشحوم والدهون ؟ ! بالطبع سيؤدي إلى هلاكه , وكذلك لو أعطينا المبتدئ من العلم أصعبه , فقد يؤدي هذا إلى نفوره , فلا بد من التدرج معه في التعليم حتى يألف المسجد ويألف مجالس العلم فيه ) .
كان رحمه الله كثيرا ً ما يواجه طلابه في المعهد قائلا ً :( أنتم يا أبنائي ستكونون في المستقبل قدوة وأسوة للأمة بما تحملون من شعار الإسلام وبما توقعونه عن رب العالمين من فتاوى وأحكام فإياكم والزلل , فإن زلة العالم زلة أمة بأكملها , وانحرافه سبب لانحراف كثير من الناس , وبالتالي فإن جزاءه يوم القيامة عسير وعقابه مضاعف ).
وهو مع أنه كان مدرسا ً في المعهد فقد كان أيضا إماما ً وخطيبا ً, فقد كان يأتي قبل العصر من المعهد لينال قسطا ً من الراحة ثم ينطلق إلى جهاده في تنشئة النشء المسلم من خلال وظيفته في الإمامة والخطابة .
فتدريسه في المعهد وإمامته في المسجد لم تكن مجرد وظيفة يؤديها أو واجب يقوم به من أجل دراهم معدودات كان يقبضها , لا , بل إنه كان صاحب مبدأ لا يحيد عنه وهو أن يسخر وظيفته لخدمة دينه وأمته سواء قبض راتبا ً أم لا , موقنا ً بقوله تعالى : (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ً ويرزقه من حيث لا يحتسب ) .

ارتقاء
08-02-2010, 08:13 PM
الاخت الغالية غنيمة
همتك عالية
وطرحم مميز
احسنت
كتب الله اجرك ورضي عنك
تقبلي مروري
همسة اختي
قمت بدمج للمشاركات لانها تتحدث عن نفس الشخصية وهي ذات الموضوع فحتى تكون حلقات متتابعة والترجمة مكتملة قمت بدمجها
خالص تقديري حبيبتي

اكليل الشموخ
08-03-2010, 04:13 AM
أختي غنية " وفقك الله"
سيرة جميلة ، رائعة، وبالغة التأثير،
لله درها من أنفس أحبت الله فاستسهلت
كل صعب فيي سبيله ،
أغناك الله أختي برحمته وأسبغ عليك من واسع فضله .

غنية عمر
08-04-2010, 01:33 PM
بارك الله فيك أختي

هذا العالم الرباني علمني الكثير

و مازال، أود أن تعرفوا ما قدمه إذ به نهظت الشام

نهظتها القرآنية الكبرى، و الكل إغترفوا من معينه و

عطاءاته.

لا عدمت طلتك الراقية.

ودي و تقديري

غنية عمر
08-04-2010, 01:57 PM
مسجد زيد بن ثابت

[SIZE="5"]وبداية الفتح الجديد 1363 ه1945 الأنصاري – رضي الله تعالى عنه -ذي الحرم الفسيح الهادئ , والفسحة السماوية الكبيرة , يتوسطها بركة الماء الواسعة , يطل بنوافذه على البساتين الخضراء كنهاية لحي باب سريجة الآهل بالسكان , وكان من أوسع مساجد التسلم الشيخ رحمه الله الإمامة والخطابة في مسجد سيدنا زيد بن ثابت حي آنذاك .
غير أنه رحمه الله دخل المسجد وصلى فيه يوما ً بعد يوم وليس وراءه سوى عدد من كبار السن , شأن كل المساجد في دمشقً .
وهكذا أراد الشيخ أن يعيد التجربة نفسها التي بدأها في حي قبر عاتكة , أراد أن يبدأ فيه بالإصلاحات والتغييرات التي صنعها بعون الله في حيه القديم , لقد استعان ببعض الشباب الذين رباهم هناك , وأتى بهم إلى مسجد زيد وقال لهم : ( نريد الشباب المثقف . قالوا : وكيف ؟ قال : إن منكم مدرس الرياضيات , والكيمياء , والفيزياء , واللغة الإنجليزية .... فلنعلن في المدارس أن مسجد زيد لديه من يعطيكم الدروس لتقويتكم في مثل هذه المواد التي كان يستصعبها كثير من الطلاب , ولا يتمكنون ماديا ً من أخذ دروس إضافية .
وخاطب هؤلاء الأساتذة قائلا ً : إن قصدتم وجه الله في تعليمكم هذه المواد في المسجد بقصد جلب الشباب إلى بيت الله لحفظ كتابه , فإن هذا لا يقل أجرا ً عن تدريسي أنا لمادة التفسير والحديث , بل سيجعل الله في صحائفكم من سيثبت في المسجد ممن تدرسونه هذه المواد الكونية ).
فجعل رحمه الله تدريس هذه المواد مفتاح لقلوب هؤلاء الشباب الذين يفدون ويسألون : كم تأخذون منا على هذه الحصص ؟ فيقول لهم الشيخ : أجر مدرسكم أن تجلسوا معي دقائق معدودات بعد كل درس , فتراهم بعد الصلوات يلتفون حول الشيخ ليحدثهم ما يتشوقون لسماعه , حتى أصبح جلوسهم بين يديه أمنيتهم يستغرق وجودهم في المسجد , وأصبحت دروس الرياضيات وغيرها على هامش أوقاتهم فيه .
وكثر الشباب , وبدأ يقسمهم إلى حلقات , وكلف أولئك الأساتذة الذين كانوا يدرسونهم المواد الكونية بتدريسهم الفقه والحديث والتفسير , بعد أن قرؤوها على الشيخ .
وبدأ الشباب و طلا ب المدارس يتحدثون , ويجلب بعضهم بعضا ً , ويتساءلون : من الذي يدرس في المسجد ؟ فيقال لهم : إن الذي يدرسنا مادة الحديث هو أستاذ الرياضيات في ثانوية كذا , والذي يدرسنا مادة التفسير هو أستاذ الكيمياء في ثانوية كذا , وأقبل الشباب ليروا ظاهرة لم تسمع بمثلها البلد من قبل , ولم تر لها مثيلا ً .
عقبات في المسجد ذللها الشيخ بحكمته :
كان من المعروف أن في كل مسجد من مساجد الأحياء عددا ً من كبار أهل الحي , نصبوا أنفسهم أوصياء على المسجد , فإن وجدوا طفلين يركضان أقاموا عليهم النكير , بل لا يقصرون في ضربهم وتأنيبهم , وإن سمعوا ضجة تنبعث من الحلقات العلمية خلال شرح الدروس ينفعلون قائلين : إن المساجد للعبادة والصلاة فسحب , ويقولون للطلاب : إذا أراد الشيخ التدريس فليذهب وليفتح مدرسة , في حين أنهم يجلسون في المسجد بين المغرب والعشاء يتكلمون في أمور الدنيا والعمل والتجارة , دون أن ينصح بعضهم بعضا ً , وإن وجدوا ورقة في المسجد أقاموا الدنيا وأقعدوها , وقالوا : إن هؤلاء الطلاب يوسخون المسجد ويفعلون ويفعلون .....
وأحيانا ً يبتلى المسجد بخادم عصبي المزاج , وبالتالي نراه يقفل بعض الأبواب , ويطفئ الأنوار زاعما ً أن هذا من الإسراف . و . و . و . الخ .
فما يكون من الشيخ إلا أن يكرمه ويمنحه فوق مرتبه مبلغا ً شهريا ً , فتراه يصبح طوع بنانه ورهن إشارته .
كما استطاع الشيخ وبحكمته أن يذلل العقبات بإكرامه وحسن معاملته لأولئك الأوصياء من رجال الحي , فكان يزورهم في بيوتهم , ويطلب منهم أن يلتقي بأولادهم , فإذا ما رآهم وحفظ أسمائهم يصادف أحدهم في الطريق فيناديه باسمه , فيقول الشاب في نفسه : من أنا حتى يحفظ الشيخ عبد الكريم اسمي , فيقبل عليه ويجلس بين يديه ويصبح أحد طلابه , فعندما يرى الأب أن ولده أصبح من طلاب الشيخ وقد تغيرت معاملته من ولد سيء الخلق إلى إنسان آخر في بره وحسن خلقه , يتحول الأب ليكون السيف المسلط على كل من يتكلم على الشيخ بكلمة واحدة , وهكذا يفعل مع كل رجال الحي , وبالتالي يحرص كل الحرص أن يتعلق ولده بالمسجد لما رأى من اجتهاده في دراسته وبره به وحسن معاملته لأمه وإخوته .
وزيادة في تصحيح مواقف هؤلاء الرجال الذين كانوا عقبة في وجه الشيخ .
كان إذا توفي أحد رجال الحي أخذ الشيخ طلابَه وشيعوا جنازته ووقفوا على قبره , وذهبوا إلى بيته وقرؤوا القرآن على روحه , ولا يسمح لأهل المتوفى أن يضعوا طعاما ً ولا شرابا ً , قائلا ً : نحن لم نأت ونفعل كل هذا إلا وفاء معه , إذ كان يصلي معنا وهو جار المسجد .
ثم يؤلف لجنة لتقوم بخدمة أهله وأولاده , فإن كانوا بحاجة إلى المساعدة طلب من جمعية الحي أن تنفق عليهم وأن تسد حاجتهم , فكم وكم من أشخاص ماتوا وتركوا ديونا ً , وليس لديهم بيوت تؤويهم , وتأتي زوجة أحدهم إلى الشيخ ومعها أولادها يبكون , فيتعهد لهم بوفاء الديون وشراء بيت يسكنونه , فيرجعون إلى بيوتهم يضحكون بعد أن مسح دموعهم بحنانه , وجبر خواطرهم بعطفه وإحسانه , فيرى أقران هذا الرجل المتوفى – وقد يكون قبل وفاته ممن يسيء إلى الشيخ وطلابه في المسجد – وينظرون إلى صنع الشيخ معه بعد وفاته فيعلمون أن الشيخ هو الأب الرحيم والأخ الصادق الوفي لرجال أهل الحي وأبنائه وشبابه ونسائه , فلا يملكون إلا أن يكونوا في خدمته و خدمة طلاب المسجد و الدعوة التي يعمل الشيخ على نشرها .[/size[/frame][/COLOR][/SIZE[/FONT]]]

غنية عمر
08-04-2010, 02:12 PM
مناهج التدريس في جامع زيد بن ثابت
بعد إقبال الشباب إلى المسجد من مختلف مستوياتهم , والطلاب على اختلاف مراحلهم الابتدائية والمتوسطة والثانوية والجامعية , وكذلك العمال على اختلاف أعمارهم , وجد الشيخ أنه لا بد من جعل كل مستوى من الطلاب اتحدت ثقافتهم في درس مستقل , و لا بد من فصل الصغار عن الكبار , ومن فصل طلاب المدارس والجامعة عن العمال لاختلاف مستوى التفكير والثقافة عند هؤلاء وأولئك .
وجعل وقت هذه الدروس مساء ً عقب صلاة المغرب إلى ما بعد العشاء بساعة أو ساعتين بحسب طول الليل وقصره .
ذلك لأن الشيخ أراد من هذه النهضة المسجدية جلب جميع فئات الناس التي تعمل وتدرس في النهار ليجدوا طمأنينة القلب وغذاء الروح في كل مساء .
أما الذين أرادوا التخصص بالعلم الشرعي لينالوا بعد ذلك شهادة تؤهلهم لوظيفة دينية من إمامة وخطابة وتدريس فقد وجههم إلى معهد العلوم الشرعية الذي كان يدرِّس فيه الشيخ طيلة النهار , وكذلك بقية المعاهد الشرعية القائمة آنذاك .
فلذلك كان الطالب في أي مرحلة من المراحل يأتي من مدرسته أو جامعته أو عمله إلى بيته فيأخذ قسطا ًمن الراحة , ويقوم بما عليه من واجبات , ويتلهف لقدوم المساء حتى يشعر بالراحة الحقيقية عندما يرى الشيخ في المسجد يستقبله ببسمته المعتادة ووجهه البشوش , ليستمع إلى مشاكلهم فيحلها لهم , وعن إنتاجهم فيشجعهم , ثم يتحول كل واحد منهم إلى درسه وحلقته مع أستاذه ليتعلم أحكام دينه بعد أن صرف نهاره فيما يخص دنياه في مستقبل حياته .
إذن فلا شهادة يمنحها الشيخ بنهاية المقررات أو قراءة مناهج , ولا إجازة تؤهله لوظيفة أو عمل لدى الدولة ولا رواتب يتقاضاها , وبالتالي لا نهاية لانتماء الطالب إلى المسجد بعد سنوات معدودة كنظام المعاهد الشرعية والمدارس والجامعات , فعمل الشيخ جامعة لا كالجامعات , ومعهد لا كالمعاهد , إن الشيخ كان يترجم عن هذا الجانب عندما يتعرض له فيقول :
(يخطئ من يظن أننا نريد من عملنا في جامع زيد أن نمنح شهادة تؤهله لوظيفة إمامة أو خطابة , لا أبدا ً , إن الذي أسعى إليه هو أن نؤهل الطبيب المسلم , والمهندس والتاجر والعامل ليكونوا دعاة إلى الله , فكلنا في الإسلام رجال دين ندعو إليه ونسعى لرفع رايته . )


المنهج التعليمي في حلقات المسجدوأما عن الدروس التي وضعها للمبتدئين فهي في مواد : الفقه والنحو والتفسير والسيرة والحديث .
فمادتا الفقه والنحو يتلقاها الطالب المبتدئ على مدار الأسبوع , فإذا ثبت والتزم وتعلق بالمسجد فإنه ينضم إلى درس أسبوعي مساء الخميس من بعد مغربه إلى وقت متأخر من الليل , يأخذ خلاله عدة دروس في السيرة والحديث والتفسير , بالإضافة إلى أن أستاذ هذه المواد مسؤول عن تربيته ودراسته وحل مشاكله البيتية والمدرسية , فإن سمع أنه غير بار بأبويه يعاقبه بهجر إخوانه له – الذي يعتبر بالنسبة إليه أكبر عقوبة –و إن وجد أحد طلابه مقصرا ً في دروسه الكونية في مدرسته هيأ له أستاذا ً في المادة المقصر فيها , ذلك لأن الشيخ كان يحث طلابه في جميع المراحل المدرسية والجامعية على التفوق , لينالوا شهاداتهم بجدارة تؤهلهم لخدمة أمتهم ووطنهم .
وأما عن الكتب والمقررات فإنه لجأ إلى التدرج في كل مادة من المواد , فالمبتدئون يقرؤون أبسط كتاب في المادة , ثم ينتقلون إلى كتاب أوسع فيها .... وهكذا .
وكان للشيخ رحمه الله درس يومي بعد صلاة الفجر مع كبار إخوانه من طلاب المسجد قرؤوا فيه عدة فنون من العلوم الشرعية , مثل : شرح المحلي على منهاج الطالبين وإعانة الطالبين في الفقه , وشرح صحيح مسلم للنووي في الحديث , وإحياء علوم الدين في التربية , والموافقات للشاطبي في الأصول , وشرح ابن عقيل وشذور الذهب في النحو , ومناهل العرفان في علوم القرآن وغيرها .
وقد ألف الشيخ كتابا ً مختصرا ً في التوحيد سماه (المعرفة في بيان عقيدة المسلم ) , كان مقررا ً على الطلاب في بداية دراستهم لعلم التوحيد.
كما كان رحمه الله يوكل تحقيق معظم الكتب المقررة على الطلاب إلى المختصين من طلابه في الفقه والنحو والحديث والتفسير وغيرها تبسيطا ً للمبتدئين , وإيضاحا ً لما فيها من غموض .


الدورة الصيفية

وهي دورة أنشأها الشيخ للطلاب في العطلة الصيفية ليقرؤوا خلالها المواد الشرعية التي لم يقرؤوها خلال العام , تبدأ في الساعة السابعة صباحا ً وتنتهي ظهرا ً .
وهي على قسمين , قسم للكبار يقرؤون فيها المواد التالية : الأصول , والتوحيد , والفرائض , والمصطلح , وعلوم القرآن , والمنطق , والبلاغة , والأدب , ومادة الأخلاق التي كان يعطيها الشيخ لجميع طلاب الدورة بعد جمعهم في حرم المسجد .
وقد خرَّجت هذه الدورات علماء في هذه المواد من العلوم العقلية والنقلية , لأن أحدهم كان يدرس الكتاب ويدرسه عدة مرات , مما يضطره للتحضير من مراجع كبيرة , مما شكل عند الكثير منهم ملكة علمية يضاهي بها حملة الشهادات في الدراسات الشرعية , فكان الواحد منهم مرجعا ً في العلوم الشرعية و الكونية لتمكنه من العلمين وتفوقه فيهما .
والقسم الآخر , وهم طلاب المرحلة الابتدائية , وكان التركيز على بعض المواد .
مثل حفظ القرآن الكريم وتجويده استغلالا ً لسن الطفل وقوة حافظته وطراوة لسانه في تطبيق أحكام التجويد , بالإضافة إلى بعض العلوم الشرعية من كتبها المبسطة في الفقه والحديث والأخلاق .
ومع كثرة الطلاب لم يعد يتسع المسجد بحرمه وطوابقه المتعددة لهذه الأعداد الكبيرة , مما جعل الشيخ يطلب من أئمة المساجد المحيطة والقريبة أن يفسحوا المجال لطلاب العلم لإقامة الدروس فيها , فكان معظمهم مرحبين غاية الترحيب , لما عرفوا في الشيخ من الإخلاص في العمل , والاستقامة في السلوك , والإبداع في التربية.

غنية عمر
08-04-2010, 02:16 PM
درس الثلاثاء ملتقى الدعوة و نواتها


وهو الدرس الأسبوعي العام الذي كان يلقيه الشيخ عبد الكريم في مسجد زيد , فيجتمع كل الطلاب في مسجد زيد و المساجد التابعة له ,و يفد إليه الناس من أطراف دمشق و بعض القرى المحيطة بها, حيث كان هذا الدرس هو اللقاء المتكرر للناس بالشيخ , ينتظره الشباب بفارغ الصبر ليستمعوا فيه إلى كلمات الشيخ البسيطة و توجيهاته المشحونة بعاطفة الأبوة و الحنو .
لتكون هذه التوجيهات و الكلمات شحنة يتزود بها طلاب الشيخ خلال مسيرتهم الدعوية في أطراف دمشق و قراها .
فترى الطلاب قد حفظوا عن الشيخ كلماته و سجلوها على آلاتهم و سطروها في دفاترهم , لا يقيدونها لبلاغتها أو فصاحتها و إنما لأنها خلاصة تجربة طويلة في ميدان الدعوة إلى الله تعالى لا يعيها إلى من عرف الدعوة و خبر مسالكها. . .
- مباحث درس الثلاثاء
كان رحمه الله تعالى يركز في درسه على أبحاث العقيدة و أركان الإيمان , و يتعرض للشبهات و الرد عليها بالأدلة العقلية و النقلية , و ذلك بأسلوب مبسط يفهمه الكبير و الصغير و العالم و الجاهل .
و كان رحمه الله تعالى كثيرا ما يركز في دروسه على معاني الأخوة في الله و الحب في الله ,و أنه هو القاعدة الصلبة التي يرتكز عليها الداعية في دعوته , و من غير الحب لن يقبل الشباب على المساجد و لن تثمر الدعوة إلى الله في قلب رجل .
و كم كان يؤكد رحمه الله تعالى على وجوب تعلق القلوب بحب الله تعالى و تنزيهها عن التعلق بحب فلان أو علان أو بحب الدنيا أو الجاه فمن علق قلبه بالعالي على و من علق قلبه بالداني دنا .
و كان رحمه الله تعالى ينبه الشباب في دروسه إلى من يريد صدهم عن دينهم و يحذرهم من أساليبهم و مكرهم , و يثبتهم أمام هزئهم بهم و سخريتهم منهم و كان يقول لطلابه :( من يعيركم بأنكم تذهبون للمسجد لتتعلموا الاستنجاء و الاستبراء فقولوا له إن لنا الشرف أن نتعلم الطهارة و نصون بها أجسادنا و نسمو مع الملائكة في طهرها و نقائها .....)
و كان رحمه الله تعالى يقول لهم أيضا :( يا أبنائي لئن اتهموكم بمجيئكم إلى المسجد بالرجعية و التخلف و التقهقر إلى عهد القرون الماضية فارفعوا رؤوسكم عاليا , لأن رجوعكم هذا هو رجوع إلى الحق وإلى مبادئ الإسلام التي رفعت كيان كل فرد في الأمة و نظفت المجتمع المسلم من أدران الجاهلية التي يحاول أعداؤنا أن يعيدوها إلى مجتمعاتنا , قولوا لهم نحن نعود إلى العهد الذي سوى بين الفقير و الغني , بين العامل و رب العمل , بين الضعيف و القوي , نحن نعود إلى الإسلام الذي رفع الأمة إلى أعلى مصاف المجد و العزة ....)
( قولوا لهم نحن الذين حملنا المنار الهادي يوم حملت كل أمة عصا الطغيان و قلنا للناس هذا الطريق )
كما كان الدرس من ناحية أخرى لقاء أسبوعيا للتعارف و اللقاء بين طلاب المساجد المختلفة , فيلتقي العامل مع التاجر و المثقف مع الأمي و الطالب مع الأستاذ في جو من الإيمان يعبق به مسجد زيد ليصغي الكل إلى توجيهات الشيخ و نصائحه الثمينة يسدد بها سبيلهم و يقوم بها عملهم ليمضوا في طريق الدعوة التي خطها لهم الشيخ و بينها لهم , فكان يقول :
-(أيها الشباب أنتم المختارون لتكونوا أئمة للناس في طريق الدعوة الإسلامية , فعليكم بتهذيب أنفسكم قبل كل شيء , و أن يحب بعضكم بعضا , و أن تشكروا الله على ما أقامكم فيه و خصكم به من الدعوة إلى دينه و خدمة كتابه فهو أغلى من التبر و الذهب )
-( يا أبنائي لا يحيي مصالح المسلمين في هذه الدنيا إلا من زهد فيها ...)
-( إن الذي يحوطنا إنما هو الحب الصادق في الله , فلا مال لدينا نقدمه ,و لا مناصب عندنا يطمع بها أحد , إنما عندنا حب الله و رسوله الذي ينبغي أن نتفادى به , فلا نريد حبا يقوم على مظاهر زائفة و مصالح زائلة )
-( قلنا سابقا و نقولها الآن ,و سنقولها في كل زمان إن غاية هذا المسجد مسجد زيد بن ثابت محصورة في ثلاث : علم و عمل و دعوة , فنتعلم العلم الذي أمرنا به الله عز وجل , و حثنا عليه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم , و نعمل بما تعلمنا فنأتمر بأمره و ننتهي عن نهيه , مقدمين في سبيل ذلك كل غل و نفيس , و ندعو إلى الله عز وجل على بينة مما تعلمناه و عملنا به متمسكين بقوله تعالى :و من أحسن قولا ممن دعا إلى الله و عمل صالحا و قال إنني من المسلمين )
و كان رحمه الله تعالى يُنيب في مرضه تلميذَه الشيخ محمد عوض , فيعطي الدرس مكانه لاسيما في مرضه الأخير الذي دام ستة أشهر.

غنية عمر
08-04-2010, 02:19 PM
انتشار دعوة الشيخ و توسع العمل المسجدي



بداية التوسع في مدينة دمشق وأحيائها

شاءت إرادة المولى تعالى أن يجد عمل الشيخ المسجدي في أنحاء دمشق وضواحيها قبولا ً لدى جميع فئات الناس , مما جعل لجان بناء المساجد في الأحياء الجديدة التي نشأت بعد التوسع الكبير لمدينة دمشق يرجون الشيخ أن يجعل كل مسجد من هذه المساجد الجديدة نسخة ثانية عن مسجد زبد في حركته العلمية والقرآنية والتربوية .
وأول لجنة من هذه اللجان جاءت إلى الشيخ هي لجنة جامع القصور شمال حي القصاع بدمشق ورئيسها فضيلة الشيخ بشير الشلاح رحمه الله , فلقد زار الشيخَ وقال له : يا شيخ عبد الكريم , لقد انتهينا من بناء جامع القصور , وقد بذلنا جهدنا ليكون في غاية الإبداع في سعته وروعة بنائه , وبقي عليك البناء الحقيقي بتخريج حفظة كتاب الله والدعاة إلى هذا الدين , لقد وجدنا آثارك الطيبة تسري في أنحاء دمشق , فآلينا على أنفسنا أن نجند كل طاقاتنا لنهيئ لك ما نستطيع من مراكز لعملك , ومساجد تؤدي فيها رسالتك , فالتقى إخلاص الشيخين لنرى تحولا ً عجيبا ً في منطقة تعتبر امتدادا ً لحي القصاع مركز تجمع النصارى وسكناهم منذ قديم الزمن .
لكن وجود هذا المسجد وما لحقه من مساجد , كمسجد الحسين , ومسجد حمزة والعباس , وما تم بناؤه قبلها كمسجد الفردوس جعلت من هذه المنطقة مشعلا ً من مشاعل الخير وسرت فيه أنوار الهداية لتعم كل ما وراءها من مناطق وقرى .
ولا يفوتنا القول بأن أول أستاذ في جامع زيد ابتعثه شيخه للخطابة في تلك الأحياء هو الشيخ محمد عوض , حيث خطب بمسجد الفردوس في حي القصاع .
كما بُني مسجد الفاروق في شارع بغداد , وتتقدم اللجنة إلى الشيخ معربة عن رغبتها بأن يكون منارة للعلم والدعوة كبقية تلك المساجد , فاختار ولده الشيخ أسامة ليخطب فيه , وليكون صورة حية عن والده الذي أخذ عنه الكثير من العلوم الشرعية , وبوجه الخصوص العلوم العقلية منها , كالتوحيد والأصول والمنطق حتى أصبح مرجعا ً لطلاب المسجد فيها , إضافة إلى اختصاصه باللغة العربية من جامعة دمشق .
أما ولده الثاني الشيخ سارية فلقد انتدبه والده الشيخ رحمه الله في بداية افتتاح جامع القصور لإمامته عام 1965 م ولفتح باب التجربة الأولى للعمل في الحي الجديد , فأثمرت تلك البداية من براعم تلك المنطقة دعاة للإسلام وحفاظا ً للقرآن , وبعد سنتين ينقطع عن العمل في المسجد لإتمام دراسته الشرعية في الأزهر , وكان الشيخ رحمه الله كثيرا ً ما ينيبه بالخطبة مكانه في جامع زيد .
وتوالت لجان المساجد الأخرى , كلجنة جامع الفاروق , وجامع الإيمان , ولجان منطقة المزة شرقي دمشق كجامع الزهراء وعلي بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز , ويأتي بعد ذلك دور وسط دمشق في الحي الراقي منها وهو منطقة المالكي وتوابعه حيث تفد لجنة جامع بدر وجامع أنس بن مالك وجامع الحمد , أقبلت كل هذه اللجان لتعلن الولاء للشيخ عبد الكريم في تقديم كل ما من شأنه رفع راية الإسلام وتجنيد أنفسهم لخدمة هذه الصروح العلمية والتربوية , حيث إن الواحد من هذه المساجد لم يتسلمه الشيخ ليرسل إليه إماما ً فحسب , وإنما ليرسل إليه الحركة الدائبة التي لا تعرف التوقف , والحيوية التي لا يجد الخمول إليها أدنى سبيل , يرسل إليها الداعية الذي يلهب المنطقة إيمانا ً يتفجر ليشمل كل بيت وأسرة فيحولها إلى بيوت إيمانية وبراعم قرآنية .
غير أن الشيخ الذي عرف بسعة أفقه ورجاحة عقله وخبرته الطويلة في ميدان الدعوة ومعرفته بالرجال كان يشترط على أعضاء هذه اللجان الذين قاموا على بناء تلك المساجد أن لا يتدخلوا في شؤون العمل , من دروس علمية , وحلقات قرآنية , وإن مهمتهم قد انتهت بتشييد هذه المساجد التي كتبت في صحائف أعمالهم إن شاء الله , أما أن يبسطوا نفوذهم بعد أن يتسلم الشيخ هذه المساجد فهذا ما لم يسمح به رحمه الله , لأن الطلاب في بدء ارتيادهم للمسجد يحتاجون إلى صدر واسع وقلب كبير , وهذا ما ربى الشيخ عليه طلابه الأوائل الذين حملوا هذه المسؤولية في المساجد الأخرى , وربما لم يكن بعض أعضاء هذه اللجان على مثل هذا المستوى المتألق من التفهم والاستيعاب للشباب , فجعل تخليهم عن المسجد بعد تسلمه منهم شرطا ً رئيسا ً , مع الاحتفاظ بكامل الاحترام والتقدير لهم من الشيخ و طلابه .
غير أن الشيخ شكل منهم ومن عدد من رجال الحي في كل منطقة درسا ً أسبوعيا ً يقوم به إمام المسجد , ويقوم أعضاء هذا الدرس بمتطلبات المسجد , ويسعون لمصلحة الحي وأبنائه , ويتعاونون على إزالة عوامل الفساد فيه .


الآثار الإيجابية لهذه المساجد
وبذلك اتسع عمل الشيخ في جميع أنحاء دمشق ليدخل الخير إلى معظم أسرها غنيها وفقيرها , صالحها وفاسدها , وليشمل العطاءُ بيوتَ المثقفين والسياسيين , ويصحح بعض المفاهيم المشوهة عند بعض الناس الذين يتصورون الإسلام دين الحرمان والتحريم وأنه يحرم أتباعه من لذائذهم ومتعهم , فعرفوا بعد ذلك أن هذا الدين يسموا بهم لجعلهم السعداء بين أهليهم وبين أفراد مجتمعهم .
لقد جاء أبناء هذه الأسر على اختلاف طبقاتها إلى تلك المساجد وفروعها وآباؤهم يعانون من تمردهم وسوء أخلاقهم معهم , فما تمضي فترة من زمن حتى يعود الواحد منهم إلى بيته يحمل أخلاق الإسلام وآداب القرآن بارا ً بأبويه مجتهدا ً في دراسته وتحصيله .
فكم وكم من بيوت تحولت بفضل أبنائها من جحيم يعيشه الأب والأم بالخلافات والخصومات إلى سعادة تخيم على أفراد الأسر كلها .
وكم من بيوت كالقبور لا يعرف أفرادها صلاة ولا عبادة فتحولت بفضل طفل لهم يقوم قبل الفجر ليصلي التهجد ويناجي ربه (اللهم اغفر لي ولوادي ونجني وأبوي من عذاب القبر) فترق قلوب أبويه لمناجاته ويتوبان إلى الله لما يريان من حسن معاملته .
وكم من بيت تغلغل الإلحاد في قلوب أربابه , وقد يكون لهم من المراكز والمناصب ما يجعلهم يبتعدون عن المساجد فوجدوا أبناءهم الذين كانوا يسومونهم سوء المعاملة فيعودون أبناء بارين بآبائهم , محافظين على أوقاتهم , مجتهدين في دراستهم .
وهكذا يتحقق كلام الشيخ عندما كان يأتيه بعض الشباب يشكون معاملة بعض رؤسائهم في وظائفهم ومواقع عملهم وتفوههم بالكفر والإلحاد , فيقول لهم الشيخ :( يا أبنائي إنني لأرجو الله أن يهديهم , وسترون منهم من يدافع عن الإسلام ويذود عن حياضه ما دمتم قائمين على تربية أبنائهم الذين سيكونون سببا ً في صلاحهم ورجوعهم إلى الحق ).


توسع العمل خارج دمشق
كان يزور الشيخَ رحمه الله أحدُ علماء دمشق وهو الشيخ محمد وفا القصاب , ومن شدة محبته للشيخ وتعلقه بهذا العمل الذي شاع صيته وعم أثره ما كان منه إلا أن قدم لمسجد زيد معهده المرخص والذي أسسه والده المرحوم الشيخ عبد القادر القصاب في الديرعطية بمنطقة القلمون التي تقع في منتصف الطريق بين دمشق وحمص , وكان المعهد قد توقف بعد وفاة الشيخ عبد القادر رحمه الله بعد أن خرج علماء أجلاء ودعاة مخلصين , غير أنهم تركوا المنطقة ورحلوا عنها إلى الشام وغيرها من المحافظات والمدن الأخرى , وخلا المعهد من العاملين وتضاءل عدد طلابه حتى لم يجدوا بدا ً من إغلاقه .
ولما خلت تلك المنطقة من الدعاة ساء حال شبابها الذين عرفوا بثقافتهم العالية , وتأثروا بأفكار الشرق والغرب , غير أن الشيخ محمد وفا رحمه الله كان يأتي مسجد زيد ويبكي على ما وصلت إليه منطقته وما آل إليه شبابها فاختارت لجنة الدعوة في جامع زيد أخا ً من إخوانه و هو الشيخ هيثم إدلبي حفظه الله ليقيم هناك بعيدا ً عن أهله وبلده وليشكل من أهل تلك المنطقة وشبابها أهلا ً وإخوانا له ينسونه الحنين إلى بلده والشوق إلى أحبابه , وكنا نزوره أحيانا ً فنرى استقبال رجال المنطقة وهم يلهجون بالدعاء للشيخ عبد الكريم والشيخ محمد وفا الذي كان سببا ً بتسليم المعهد لطلاب جامع زيد , فقد عادت البهجة إلى كبارها وسرت الحياة في شبابها وأبنائها , كيف لا والداعية هو الماء لحياة الأمة والروح التي تسري في عروقها والنور الذي يبدد ظلامها .



معهد الفرقان ومنه إلى إفريقية وغيرها
وفي إطار هذا التوسع لجامع زيد داخل البلاد وخارجها , يأتي عالم جليل أسس جمعية الفرقان بدمشق ومعهد الفرقان التابع لها وهو الشيخ بدر الدين عابدين رحمه الذي كان يحب الشيخ محبة كبيرة وازداد محبة له وتقديرا ً بعد التوسع الملحوظ لعمله والتأثير الكبير لطلابه , ويتقدم للمسجد طالباً رعايته للمعهد المرخص والذي يضم طلابا معظمهم من خارج البلاد ويمنحهم شهادة تؤهلهم للإمامة والخطابة في بلادهم .
وهنا تتهيأ الفرصة لمن يرغب من طلاب مسجد زيد بالتفرغ للعلم الشرعي دراسة وتدريسا ً , وكانت هذه مُنية الشيخ قبل وفاته بأن يتفرغ عدد من طلابه للتخصص بالعلوم الشرعية , ووعدنا قائلاً سيأتي عليكم يوم تؤسسون فيه المعاهد والجامعات وتصنعون من خلالها دعاة تبثونهم في أرجاء الدنيا , ويعهد بإدارته للشيخ نور الدين قره علي حفظه الله تعالى الذي عهد إليه الشيخ رحمه الله من قبل بعدة تجارب رائدة في مجال الدعوة والعلم والتعليم .
فيتجدد نشاط معهد الفرقان من جديد بإدارته الجديدة وطاقمه من المدرسين المتدربين في مسجد زيد على أسلوب الدعوة الذي يجمع بين التعليم والتربية بالإضافة إلى عدد من علماء دمشق الذين كانوا يدرسون في المعهد من قبل فكانوا مرحبين غاية الترحيب بطلاب الشيخ عبد الكريم الذين تسلموا إدارته والتدريس فيه .
وهكذا يزداد نشاط المعهد ويكثر عدد المنتسبين من داخل البلاد وخارجها ويضطرون لأبنية إضافية لمبيت الطلاب مما جعل أعضاء إدارة الجمعية الذين عرفوا بإخلاصهم يتفانون بتقديم كل ما يحتاجه المعهد بطلب من إدارته , وتبذل المساعي الخيرة من أحباب الشيخ رحمه الله لمعادلة شهادته وقبولها في العديد من جامعات العالم الإسلامي وفي مقدمتها الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وجامعة الأزهر في مصر وعدد من جامعات الباكستان .
ثم تنفتح آفاق أخرى بعد أن تكفل أحد طلاب المسجد – ممن عمل في نيجيريا وهو الأخ عارف جمعة زبادنة – عددا من أبناء نيجيريا ليدرسوا في معهد الفرقان على نفقته ثم ليعودوا بعدها إلى بلادهم التي تعتبر بأمس الحاجة إلى الدعاة بعد أن غزاها التبشير الصليبي فنصر العديد من قراها مستغلا ً خلو الساحة من دعاة الإسلام .
وبعد تخرجهم من معهد الفرقان تعهد الأخ عارف بفتح معهد في نيجيريا ليخرج من أبنائها من يتصدى لذلك التبشير , ويعود هؤلاء الذين تخرجوا من معهد الفرقان إلى المعهد الجديد مدرسين مع عدد من أساتذة جامع زيد لإدارته وتدريس الصفوف العليا فيه , حتى غدا هذا المعهد الذي أقيم في شمال نيجيريا وسُمي بمعهد (الكانمي) وهو من أبرز المعاهد فيها , وغدا طلابه بعلمهم ومعرفتهم متفوقين على طلاب الدراسات الإسلامية في جامعاتها ,الأمر الذي دعا لقبول شهادته في معظم الجامعات وفي مقدمتها الجامعة الإسلامية .
كما أسس ذلك الأخ الكريم مع إخوانه جزاهم الله خيرا ً مدرستين أخريين في نيجيريا سموا واحدة باسم والدهم الشيخ عبد اللطيف جمعة زبادنة والأخرى باسم والدهم الروحي الشيخ عبد الكريم الرفاعي

غنية عمر
08-04-2010, 02:42 PM
بارك الله فيك أختي إكليل الشموخ

تفاعلك زين الموضوع و زاده جمالا

خالص ودي و تحياتيhttp://dc02.arabsh.com/i/00293/xuxc9q0hpj3e.gif

غنية عمر
08-05-2010, 12:51 PM
النهضة القرآنية تظلل دمشق



"لقد نظر الشيخ رحمه الله إلى حفاظ القرآن في البلد فوجدهم يعدون على الأصابع , ولا سيما الجامعون للقراءات الذين لا يزيدون في دمشق كلها على العشرة فقط , وكان شيخ القراء آنذاك الشيخ أحمد الحلواني , يجتمع معه أسبوعيا ً كل الجامعين للقراءات في زمنه , ومنهم : الدكتور محمد سيعد الحلواني , والشيخ حسين خطاب , والشيخ أبو الحسن محيي الدين الكردي , والشيخ محمد كريم راجح , والشيخ محمد سكر .
أما الحفاظ فكان عددهم في بعض الأحياء بدمشق لا يتجاوز العشرة , وبعضها قد يخلو من حافظ واحد .
وعام 1964 م جمع الشيخ طلابه الكبار وعلى رأسهم شيخنا أبو الحسن الكردي الحافظ الجامع , وقال : إنكم كما تعلمون بأن الحافظين لكتاب الله قليلون جدا ً , ومعظمهم من الكبار في السن , وقد أكرمنا الله بإقبال الشباب إلى المسجد , وإن الله تعالى كما تعلمون تولى حفظ كتابه حيث قال : (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) إذ يسخر له أناسا ً لحفظه وتحفيظه للناس , فإن تتولوا يستبدل غيركم , فهل يطيب لكم أن تتولوا عن هذه المسؤولية وحمل هذه الأمانة , فيستبدل بها قوما ً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم .
وكان أحد طلاب المسجد يحفظ القرآن الكريم بغاية الإتقان والضبط , وهو الشيخ عبد الفتاح السيد الذي مُلء حيوية ونشاطا ً , وعلما ًوثقافة واسعة إذ يحمل عدة شهادات جامعية في الشريعة والحقوق والآداب , بالإضافة إلى أمهات العلوم التي استفادها من الشيخ في المسجد التي جعلته يتفوق في جامعته , فيكون فيها من الأوائل , والخطيب المفوه في المحافل .
التفت إليه الشيخ وقال : شمر عن سواعد الجد يا عبد الفتاح واستعن بالله , وهاهو الشيخ أبو الحسن -الذي عُرف بصدقه وإخلاصه - مستعد في ليله ونهاره ليستقبل من ترسله إليه من الشباب ليقرؤوا عليه تلقيا ً كما حفظ الأوائل ممن سبقنا من الحفاظ , ومن سبقهم من السلف الصالح .
وبدأ النشاط القرآني ينمو , وإقبال الشباب على الحفظ يزداد بشكل لم يسبق له نظير , وكان للتنافس بينهم أكبر الأثر في سرعة الحفظ مع الإتقان,فكانوا يتسابقون إلى الشيخ عبد الفتاح بالتسميع , ثم بالضبط الكامل مع الإتقان , ليحظى أحدهم بشرف تحويله إلى شيخ مقارئ جامع زيد الشيخ أبي الحسن .
ولم تمض سنة واحدة إلا كان في المسجد عشرات الحفاظ الذين بدؤوا بتحفيظ غيرهم , حتى أصبح مئات الحفاظ في المسجد , كل ينتظر دوره ليتقدم إلى الشيخ أبي الحسن فيقرأ ختما ً كاملا ً يجيزه بعد ذلك بالإقراء .
مراحل الحفظ للقرآن الكريم :


يبدأ الراغب في الحفظ في تسميع كل ما حفظه يوميا ً على أحد الإخوان الحافظين المتقنين ... وأحيانا يقوم بقراءة ما يريد حفظه عليه قبل أن يبدأ بالحفظ إذا لم يأمن الوقوع في الخطأ , ويسعى معه شيخه الحافظ أن يكون حفظه عند التسميع غاية في الإتقان خاليا ًمن الخطأ , دون أن يكون هناك إلزام بكمية الحفظ , فقد يلتزم الطالب حفظ صفحة واحدة يوميا ً , وأحيانا ً يبلغ به النشاط والهمة أن يحفظ في يوم واحد أكثر من جزء كامل , وإذا ما انتهى من حفظ جزء فإنه غالبا ً ما يختبره بكل المحفوظ من قبلُ حتى لا يتفلت منه .
وما يزال البرنامج يتتابع بشكل يومي بين الشيخ الحافظ وبين تلميذه حتى يأتي على القرآن حفظا ً وإتقانا ً .
ولا بد من المذاكرة , وتعتبر أساسا ًمن أسس الحفظ , إذ يوضع للسائر في الحفظ أخ مماثل له بعدد الأجزاء التي يحفظها , ويتلازمان حفظا ً ومذاكرة , ويطالبان بتقرير يومي عن القدر الذي ذاكراه معا.
بعد تمام الحفظ يقرأ ختما ً كاملا ً على أخ متقن مجاز , ثم ينتقل بعد ذلك إلى الشيخ أبي الحسن ليقرأ ختما ً كاملا ً بتمام الضبط والإتقان ويجاز بعده .

إجازة الحفظ برواية حفص عن عاصم :


طلب الشيخ عبد الكريم من الشيخ أبي الحسن أن يجيز من يقرأ عليه ختما ً كاملا ً بالسند الذي تشرف بحمله وهو القراءة عن شيخه محمود فايز الديرعطاني , عن شيخه .... وهكذا إلى سيدنا أبي بن كعب وسيدنا زيد بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , عن جبريل عن رب العالمين . يحوي هذا السند المتصل من شيخنا أبي الحسن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة وعشرين قارئا ً كل شيخ أخذ القرآن تلقيا ً من أوله إلى منتهاه .
وفي البداية تردد الشيخ أبو الحسن في تنفيذ طلب الشيخ عبد الكريم قائلا ً : إن هذه الإجازة لم تعط بهذا السند إلا لمن جمع القراءات , أما إفراد رواية حفص فقط فلم يسبق لأحد من القراء أن فعلها . فقال الشيخ رحمه الله : هل كان توقفهم عن إعطائها للمتقنين من الحفظة عادة أم شرعا ً ؟
قال : لا , بل لم تجر العادة بذلك , قال : فلنغير العادة , ولنبرر هذا السند العظيم إلى الآمة بأكملها , حتى تعلم أن قرآننا لم يصل إلينا عن طريق الصحف والمخطوطات فحسب , بل جاءنا بالتلقي والسند المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , وطبعت الإجازة بذكر السند بأكمله عدة آلاف من النسخ , وجعل لها رقم متسلسل .
وأول إجازة أخذها من الشيخ أبي الحسن هو الشيخ عبد الفتاح السيد , ثم الشيخ نعيم العرقسوسي , ثم بدأ الحفظة يتنافسون لنيل هذا الشرف الذي لا يساويه شرف , بل ليفتخر أحدهم على أبناء عصره بشهادة يتوج بها بيته , ويشرف بها عائلته , وليكون دونها كل الشهادات مهما علت , وجميع الإجازات مهما سمت .
ولقد زار المسجد فيما بعد شيخ قراء حمص وأمين فتواها الشيخ عبد العزيز عيون السود رحمه الله , واطلع على هذه الإجازة فأعجب بفكرتها , كما أعجب بالحركة القرآنية التي وجدها في المسجد , وإقبال الشباب كبارا ً وصغارا ً على حفظ القرآن الكريم بأسلوب مشجع ومرغب .
وطلب غرفة خاصة به في مسجد زيد ليجعل لنفسه في الأسبوع يوما ً أو يومين ينعم بالنظر إلى هؤلاء الحفظة .
جمع القراءات بطريق الشاطبية



بعد أن كثر المجازين بفضل الله وتوفيقه , بدأ يتطلع عدد من المتقنين الذين وجدوا من أنفسهم إمكان جمع القراءات , بعد أن علموا أنه لا بد من حفظ الشاطبية وقراءة الختم الكامل برواياته العشر على الشيخ أبي الحسن , وهذا لا يصل إليه إلا النادر ممن اصطفاهم الله لحفظ كتابه , لكنه يسير على من أخلص لله الحفظ وعاهد الله أن يقوم بخدمة كتابه والعمل بما فيه .
وبدأ عدد منهم بجمع القراءات , يعطي من وقته ما لم نسمع به من قبل , إذ كان يصلي الفجر في المسجد ولا يعود إلى بيته إلا قبل العصر بساعة , ثم من بعد صلاة العصر حتى ساعة متأخرة من الليل , ولقد أحصينا عليه ساعات التسميع فوصلت إلى ما لا يقل عن خمس عشرة ساعة في اليوم .
لذلك رأينا معجزة القرآن الكريم تتجلى في عصرنا هذا , بأن وجدنا عددا ًمن الشباب جمعوا القراءات بسنة واحدة فقط , في حين أننا سألنا شيخنا أبا الحسن عن أقل وقت جمع فيه القراء القرآن بقراءاته العشر فقال : أربع أو خمس سنوات .
وهكذا نرى الفتح الإلهي والصوت الرباني الذي جلب أبناء دمشق ليحفظوا كتابه في المسجد ثم لينطلقوا إلى الحياة العملية ليكون كل واحد منهم قرآنا ً يتحرك على الأرض في خلقه ومعاملته , ينطلق ليكون الداعية إلى الإسلام من خلال عمله وإنتاجه , حتى أصبح هذا الفتح الجديد حديث أهل دمشق في كل مكان .
ولقد جاء وفد من الهند برئاسة الدكتور يوسف سيتي رحمه الله , ومهمته أن يقوم بإنشاء مدارس قرآنية في عدد من مدن البلاد الإسلامية على نفقتهم , ويصل دمشق ويسأل عن العاملين في هذا المجال , وإذا بأصابع علماء دمشق ودعاتها تشير إلى الشيخ عبد الكريم في جامع زيد بن ثابت الأنصاري , ويأتي لزيارته في بيته ويقول : يا سيدي , لقد أنشأنا عددا ً من المدارس في العديد من مدن العالم الإسلامي , غير أننا في دمشق لمسنا الإنتاج القرآني المذهل بعد أن وقفنا على حقيقة عملكم .
وبعد المشاورات وجدنا أن نقدم لفضيلتكم كلفة إنشاء المدرسة لنضعه بين يديك تستعين به على هذا العمل الجليل , لكن الشيخ ابتسم قائلا ً : نحن نشكر لكم تفضلكم , وندعو الله أن يخلف على الباذلين منكم , وأن يجعل هذه الأعمال في صحيفتكم , غير أننا لم ندخل المادة في عملنا , ولم نعود الطلاب ولا أساتذتهم على أخذ رواتب أو مخصصات , وإن هذا العمل العلمي والقرآني الذي أدهشكم , إنما هو خالص لله , فتعليم الأستاذ لا يبتغي عليه أجرا ً , ومجيء الطالب لا يأمل منه مالا ً ولا غاية , إنما هو الحب في الله الذي ربط بين الجميع , وكل ما أخشاه أن أقبل عرضكم هذا فتصبح الدنيا هدفا ً للأساتذة وطلابهم , وبالتالي يضعف الإنتاج ويقل .
فأشكر لكم ثانية تشريفكم , ويكفيني منكم دعوة صالحة في أن يبقى الإخلاص رائد عملنا وابتغاء الأجر من الله في كل بلد من أنحاء العالم الإسلامي .



الحفل السنوي لتخريج الحفاظ


اعتادت دمشق أن تشهد ليلة من ليالي العمر كل سنة , وغالبا ً ما تكون في رمضان أثناء إحياء ليلة القدر , حيث يقيم مسجد زيد حفلا ً لتخريج الحفاظ الذين أجيزوا خلال هذه السنة , وتشجيعا ً لشباب الأمة ليسيروا على هذا النهج , ويحذوا حذو أمثالهم ممن نالوا مرتبة الشرف بين هذه الأمة , فيقوم مقدم الحفل ليتكلم بأسلوب خطابي يهز مشاعر الحضور , يتكلم فيه عن عظمة هذا الإسلام الذي مضى عليه أربعة عشر قرنا ً وكتابه وهو القرآن الكريم لا يزال يتحدى الكون كله ببيانه وإعجازه , ويتجلى بعض هذا الإعجاز في هؤلاء الفتية الحفظة , ويقدم نموذجا ً منهم وعمره لا يتجاوز ثماني سنوات في الصف الثالث الابتدائي يحفظ القرآن الكريم كله , ويرفع مقدم الحفل ذلك الحافظ الصغير لتراه الجموع الغفيرة , فما يجدون من التعبير عن فرحتهم وتأثرهم إلا بالدموع التي تسيل على وجناتهم , وتتعالى أصواتهم بكلمة الله أكبر ما شاء الله .
إنها دموع الفرح , دموع الأمل بمستقبل مشرق لشباب هذه الأمة , ودموع الأسى والألم من بعض الحضور إن كان أولادهم بعيدين عن هذا الجو الروحاني المفعم بالإيمان , فيعاهدون الله أن يكونوا عونا ً لأبنائهم إلى هذا الاتجاه , ومشجعين لهم بأي أسلوب لينعموا بسعادة الدارين .
وهكذا يتوالى في الحفل تقديم الحفاظ حافظا ً بعد آخر , ثم يتقدم من حفظ عددا ً من أجزاء القرآن الكريم , ثم يقدم للحافظين جوائز رمزية من كتب ومراجع إسلامية .
وما ينتهي الحفل إلا ونجد أثره متمثلا ً بالإقبال الكبير على حفظ كتاب الله , والتنافس من السائرين بالحفظ ليكونوا ممن يحتفى بهم في العام القادم و ليكون هذا الحفل حديث دمشق كلها في الأيام التالية

غنية عمر
09-03-2010, 10:28 PM
اتساع الدعوة و خروجها إلى القرى

وجد الشيخ عبد الكريم رحمه الله تعالى بعد إقبال شباب المدينة إلى المسجد أن القرى بأمس الحاجة لأن يكون فيها الدعاة و العلماء , لاسيما و قد استغل أعداء الإسلام جهل أهلها فأثروا في شبابهم حتى أبعدوهم عن المعاني الإسلامية والروح الإيمانية بانتسابهم إلى فئات مختلفة و أحزاب متنوعة , فأصبحت الأسر مشتتة و الآراء متباينة لاختلاف الانتماءات .
و مما زاد الأمر سوءا ضعف أئمة المساجد هناك و فقرهم , و ذلك أن الإمام و الخطيب في القرية كان راتبه من أهل القرية فتراه في آخر الشهر ينتظر عطفهم و شفقتهم بجمع الراتب ليرة ليرة , فإذا ما أعطوه مرتبه آخر الشهر منُّوا عليه و تفضلوا فأمروه و نهوه .
فأنى لأحد من أهل القرية أن يستمع إلى نصحه أو يلتفت إلى وعظه .
لذلك رأى الشيخ أن الوضع في القرى لا يبشر بالخير ما دام الدعاة منصرفون عنها مقتصرون على دعوة أهل المدن , فعزم رحمه الله تعالى أن يوجه طلابه إلى هذه القرى ينشروا فيها ما نشروه من خير و دعوة في دمشق .
و بدأ رحمه اله تعالى بالغوطة الشرقية و القرى النائية فيها , يذهب إليها طلابه صباح كل جمعة في حافلة تقلهم من دمشق لتجعل كل مجموعة في قرية .

- توجيه الشيح لطلابه الدعاة في القرى

كان الشيخ رحمه الله تعالى يوجه طلابه الدعاة صباح كل جمعة بقوله :
( أكثروا من الاستغفار و العبادة حتى تسمع كلماتكم و تستجاب دعواتكم )
و كان يطلب منهم أن يعتذروا عن قبول دعوة أحد على طعام حتى لا يظن أنهم أتوا إلى القرية طمعا فيما عند أهلها , و عند إلحاح أحد من أهل القرية فاستجيبوا لدعوته على كأس من الشاي لا أكثر .
و كان يأمرهم أن يأخذوا طعامهم معهم و أن يجتمعوا عليه بعد أداء مهمتهم في أحد البساتين .
و أن يتقاسموا مصروف ذهابهم و إيابهم و طعامهم فيدفع كل واحد نصيبه من جيبه حتى لا يكون ثمة إرهاق على أحد من أفراد المجموعة .
و إذا وصلوا إلى القرية أن يبدؤوا بزيارة إمامها و يبلغوه سلام الشيخ عبد الكريم الرفاعي , و أن ينزلوا خطيب القرية و إمامها المكانة اللائقة حتى تستمر إفادته لأهل القرية و تزداد , و حتى لا يشعر بأنهم يريدون أن ينازعوه على مركز إمامته و خطابته .
و أن يقوم أخ فيعلق على خطبة الخطيب بعد انتهائها , و أن يقيم مع إخوانه درسا يوجه من خلاله عامة الناس و درسا آخر في الفقه و الحديث يعلم الناس فيه ما يحتاجون من أمور مهمة في حياتهم اليومية و يتابع فيه الشباب السائرين في الدعوة من أهل القرية .
و عندما يقوم أحد طلاب الشيخ بعد صلاة الجمعة فإنه يشكر الخطيب على خطبته و يعلق على بعض فقراتها بأسلوب يرغب الشباب في المكوث , و يقوم آخر من المجموعة يقف على باب المسجد يسلم على شباب القرية و يدعوهم لحضور الدرس عقب تعليق الخطيب , و يشعرهم أن هذا الذي يخطب الآن هو طبيب قد يعينهم فيما يشكون منه من أمراض , فما يملك شباب القرية أن يظهروا عجبهم من طبيب يقف ليعظ الناس و يذكرهم بالله , فيحصرون على الانتظار و الاستماع إلى طلاب الشيخ عبد الكريم , و خاصة بعد أن يروا زهدهم في القرية و عدم منازعتهم لإمامها و أن ليس لهم من مقصد إلا إيصال الخير لأهل القرية .
و بعد فترة من العمل في القرى صار عدد من شبابها يتحملون مشاق التنقل إلى دمشق يومين في الأسبوع ليتعلموا في مسجد زيد بعض العلوم و يسيروا في حفظ القرآن الكريم , حيث جعل لهم الشيخ أياما خاصة تكثف لهم فيها الدروس ليعودا إلى قراهم حاملين هم الدعوة ناصحين لأهلها ليتوجه الدعاة من طلاب الشيخ إلى قرى أخرى .
و لقد كان لهذا العمل أثر كبير و خير عظيم حيث انتشر التدين و الدعوة في القرى و كثر العلماء المخلصون فيها ممن أخذ عن الشيخ عبد الكريم و تربى في مسجد زيد , و صار الأطفال الذين كان لا هم لهم في القرية إلا اللعب و اللهو بين سواقيها و بساتينها و لا غاية لهم في حياتهم إلا العمل في الزراعة صاروا علماء هذه القرى و الدعاة فيها .
و قد أحدثت دعوة الشيخ عبد الكريم في هذه القرى تحولا يشهد به الكثير من أهلها فبعد أن كان الخطيب و الإمام في القرية يعيش حياة الذلة و المسكنة صار الإمام و الخطيب في القرية هو مرجعَها الأول في حياتها , و الحكم العدل في مشاكلها و منازعاتها , و ذلك لأن هؤلاء الشباب الذين حملوا هم الدعوة فيها كانوا شبابا لا يرضون الدنية و لا يهينون النفس من أجل حطام الدنيا بل يكدون و يعملون و يعظون و ينصحون .
- من مشاهد الدعوة في القرى
لما دخل طلاب الشيخ إلى بعض القرى وجدوا أن مسجدها قد أغلق , و علاه غبار النسيان و خط عليه الزمن سطور التهالك و الخراب , حيث هجره أهله بعد أن تركه القائمون عليها.
فقصد الطلاب مختار القرية ,وسألوه عن سبب إغلاق المسجد , فقال لهم أن إمامه قد مات منذ سنوات ولم يخلفه أحد , و شبابنا لا يعرفون الصلاة و لم يعلمهم إياها أحد فلم نجد من يقوم بمهام الخطيب و الإمام .
فسأله الطلاب : و لماذا لم تطلب من الأوقاف إيفاد إمام آخر , ألا تعلم أنك مسؤول أمام الله تعالى عن ذلك ؟
فقال المختار : ما كنت أظن أن يرضى أحد بالقدوم إلى قريتنا لبعدها و فقرها .
فقال له الطلاب : لقد أرسلنا الشيخُ عبد الكريم الرفاعي إليكم لنفتح المسجد و نخطب فيه من دون مقابل , و إكرامكم لنا هو أن تستجيبوا لنا بالحضور إلى المسجد .
فمشى المختار مع بعض الطلاب و طرقوا على أبواب القرية يدعون أهلها إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة , و ذهب القسم الآخر من الطلاب لإصلاح المسجد و تنظيفه .
و عند الأذان قام طالب فأذن و صدع بالأذان في هذه القرية بعد أن حُرم أهلها من سماعه أعواما , و أقبل أهل القرية إلى المسجد و استمعوا إلى الخطبة و حضروا الدرس متأثرين غاية التأثر , ثم التفوا حول الطلاب كلٌ يدعوهم إلى منزله على الغداء فأبى الطلاب و قالوا لهم : إن إكرامكم لنا هو أن نراكم في المسجد الجمعة المقبلة و قد أعدتموه كما كان و نحن نعدكم أنا لن ننقطع عنكم أبدا .
فما كان من أهل القرية إلا أن استنفروا جميع الرجال و الشباب في القرية لإصلاح المسجد و إعادة بنائه و فرشه و عاد طلاب الشيخ عبد الكريم إلى هذه القرية مرة أخرى ليروا أهل القرية في انتظارهم في المسجد و قد أعادوه كسالف عهده , فأحيا الله هذه القرية بهذه الثلة الطيبة من الشباب المؤمن و بههذه الدعوة المباركة للشيخ رحمه الله تعالى .

غنية عمر
09-04-2010, 10:11 PM
http://alharary.com/vb/imgcache/9277.imgcache.gif




العمل الاجتماعي و أثره في ترسيخ الدعوة


لقد أضاف رحمه الله إلى جانب الحركة العلمية والنهضة القرآنية أعمالا ً اجتماعية جليلة , فقد أسس الجمعيات الخيرية , والمستوصفات الطبية , ودور العجزة , ذلك أنه كان لا يألوا جهدا ً بتقديم كل ما يقرب إلى الله مادام يستطيع تقديم ذلك , ويرى نفسه مسؤولا ً أمام الله تعالى عن التقصير في حق الفقير والأرملة واليتيم , رغم ما كان عليه من أعمال استغرقت كل وقته من تعليم وتربية ومتابعة للأعمال العامة من مصالح الأمة , ولقاءات مع العلماء والمصلحين , لكنه كان موقنا ً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : (والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه) .
لا سيما وقد رأى الفقر الذي يخيم على الأحياء الشعبية , والحاجة الماسة لمن يصل الأغنياء بالفقراء , ويربط المساكين بالأثرياء برباط الحب والتعارف لكثرة أولئك الفقراء الذين لا يسألون الناس إلحافا ً , وآثروا العفة عن سؤال الناس , فيحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف .
و لما علم رحمه الله تعالى من أهمية تكامل الجانب الثقافي و المعرفي مع الجانب الاجتماعي , فإطعام الجائع و القيام بشؤون الفقير أساس مهم مع دعوته إلى الله تعالى و تنشئته على مبادئ الإسلام .

جمعية البر والإحسان

بدأ الشيخ نشاطه الاجتماعي بحيه الذي نشأ فيه – حي قبر عاتكة – فجمع أغنياء الحي ممن لا يزالون ساكنين فيه , وآخرين ممن رحلوا عنه إلى أحياء دمشق الراقية , وحملهم مسؤولية هؤلاء الفقراء أمام الله , ووعظهم بأسلوبه المحبب المعتاد .
وفي نهاية اللقاء – الذي عبر فيه الجميع عن مساهمتهم بالجهد والمال – شكل منهم أعضاء لجمعية سماها ( جمعية البر والإحسان ) , واختار لرئاستها المحسن الكبير الحاج يوسف السيروان , الذي نشأ في الحي ويعرف كل عائلاته وبيوته من فقراء وأغنياء , وبقية الأعضاء من أولئك الرجال المخلصين الموثوقين من الذين يدفعون ولا يأخذون , وينفقون لا يبتغون في إنفاقهم جزاء ولا شكورا ً .
وكانت توجيهات الشيخ لهم في بداية الأمر أن تكون أول معونة هي تأمين الخبز لكل فقراء الحي , وكان الخبز بالنسبة إليهم في ذلك الوقت – في أوائل الخمسينات – ليس بالأمر اليسير , وما ذلك إلا لشدة فقرهم وشديد حاجتهم .
واختار الشيخ أجود المخابز في الحي , وكان صاحبه من وجهائه وكرام الناس فيه , وقال له : يا أبا قاسم , سيأتيك الأيتام وهم كرام على الله , إياك أن تنهرهم فينقلب معروفك منكرا ً وإحسانك إساءة .
فكان أبو قاسم رحمه الله إذا جاءه الأيتام وأبناء الفقراء يبتسم في وجوههم قائلا ً : والله لأنتم أحبابي وبمثابة أولادي , ويوزع عليهم الحلوى مع الخبز ,.
وتطور الحل في الجمعية فأصبحت تقدم المعونات المالية والعينية من كساء ودواء وغذاء حتى البناء والسكن للمضطرين إليه .
إلى أن غدا الحي بفقرائه وأغنيائه وشبابه وكباره , يداً واحدة وقلباًً واحدا ً في المحبة والأخوة والتعاون , وبالتالي أصبحت هذه الجمعية قدوة لأحياء دمشق في أن يحذوا حذوها وينهجوا نهجها لما وجدوا من الأثر الكبير والنتائج العظيمة في هذا الميدان .

جمعية إغاثة الفقير

بعد أن وجد الشيخ رحمه الله نجاح جمعية البر والإحسان في عملها ونشاطها في حي (قبر عاتكة) فكر بإنشاء جمعية أخرى في حي (باب سريجة) وبنفس المبدأ الذي قام به هناك , إذ جمع أغنياء حي باب سريجة وحثهم على المشاركة في تحمل المسؤولية وشد من عزائمهم , وقوى فيهم روح التنافس مع أغنياء حي قبر عاتكة الذين يبذلون من جيوبهم أولا ً ثم يحاولون الجباية من جميع أهل الحي رغبة في إشعار الجميع بالمشاركة .
ثم شكل أعضاء إدارتها وعلى رأسهم الحاج عادل عبيد صاحب المشاركة في معظم المشاريع الخيرية ولجان بناء المساجد بدمشق , إذ ينفق من ماله الكثير , ولا تزال هذه الجمعية – جمعية إغاثة الفقير – إلى الآن قائمة على أحسن وجه, فكانت اسما ً على مسمى , فهي الغوث للفقراء والمساكين والأيتام والأرامل والمحتاجين .

جمعية النهضة الإسلامية

بعد نجاح جمعية البر والإحسان وجمعية إغاثة الفقير في أداء مهمتها تجاه الفقراء والأيتام , إذ ضمدوا جراحهم وأعادوا البسمة إلى وجوههم وأدخلوا السرور على قلوبهم وجد رحمه الله أن كثيرا ً من فقراء البلد لم يتوفر في أحيائهم من يسعى لتأمين حاجاتهم , لاسيما في الأحياء الجديدة الفقيرة منها , وبدأ هؤلاء الفقراء من تلك الأحياء المتناثرة في دمشق وما حولها يتوافدون على الشيخ يرجونه المعونة , وأن يسجل أسماءهم في عداد من تساعدهم جمعيتا البر والإغاثة , لكن كل جمعية منهما تحاول أن تفي بحاجة فقراء حيها أولا ً , وليس لديها المجال لأوسع من ذلك .
فوجد الشيخ الحاجة ملحة ليقوم بتأسيس جمعية على نطاق دمشق كلها لتستوعب معظم فقرائها وأيتامها , وجمع عددا ً من المخلصين من أغنياء البلد عموما ً وأطلعهم على بعض الحالات التي تجعل القلب القاسي يلين , ودمعته ترق على أمثال أولئك الأيتام والعجائز من الذين لا يجدون من يعيلهم أو ينفق عليهم .
وفي الواقع تحركت عواطفهم ليكون كل واحد منهم أبا ً بل خادما ً لهم , وكون مجلس إدارة ضم مجموعة من خيرة رجالات دمشق من علماء وتجار ووجهاء , وتزامن هذا مع قدوم نخبة من المخلصين والوجهاء في حماة يشرحون للشيخ فكرة تأسيسهم لجمعية النهضة الإسلامية في حماة , وبعد المشاورات وجدوا أن ترتبط هذه المراكز في دمشق وحماة وحلب , وأن يكون لها لقاءات دورية للتنسيق فيما بينها بعد أن شكلوا المجالس الإدارية في كل فرع من فروعها لدى كل محافظة .
ومن الملاحظ أن الشيخ رحمه الله قام بالتأسيس وقدم التوجيهات لكل من الجمعيتين : البر والإغاثة السابقتين والتي مر الحديث عنهما , بعد أن وكل الرئاسة لأحد المخلصين من أعضائها ليتفرغ بدوره للعمل في جامع زيد علما ً وتعليما ً- إذ هي المهمة الرئيسية له– غير أن جمعية النهضة الإسلامية قد تختلف عن تلك الجمعيتين بسعة أداء مهمتها وارتباطها بالمراكز الأخرى في المحافظات , فوجد الأعضاء أن يكون الشيخ عبد الكريم هو الرئيس لها , لتتناسب شمولية عمل الجمعية مع ثقة الأمة بعالمها الذي دخلت دعوته إلى معظم بيوت دمشق في أن يكون هو رئيسها , غير أن الشيخ رحمه الله اختار عددا ً من العلماء من إخوانه وتلامذته في معهد العلوم الشرعية ليحملوا معه المسؤولية وأعباءها , لاسيما عند غيابه وانشغاله , فاختار الشيخ محمد الشماع القاضي الشرعي والعالم الفاضل النزيه نائبا ً للرئيس , وكان للشيخ عبد الرحمن الزعبي رحمه الله , والشيخ محمد علي الأحمد , والشيخ محمد عوض , والشيخ صلاح سرور دور بارز في الجمعية التي كان لها من الأنشطة ما لم تقتصر فيه على ما تقدمه الجمعيات الأخرى من مساعدات للفقراء والأيتام , بل كان من الأعمال الاجتماعية ما لفت أنظار الرأي العام والخاص , مما جعلها الجمعية الرائدة فيما يعود على البلاد من خير شمل أغنياءها وفقراءها , ومثقفيها وعامتها , ومناطقها وأحياءها , ويمكن أن نلخص ما كانت تقوم به من أعمال في النشاطات التالية :
1 – سد حاجة فقراء دمشق عموما ً دون التقيد بحي أو بآخر , من رواتب شهرية , ومعونات غذائية و دوائية, وألبسة .
2 – إقامة ندوات علمية وأدبية يلقيها لفيف من علماء البلد في قاعة المركز الرئيسي في وسط البلد بجانب جامع المولوية في شارع النصر .
3 – إنشاء دار للعجزة يستوعب الرجال والنساء الطاعنين في السن , ممن لم يجدوا من يعيلهم ويقوم بخدمتهم .
4 – مركز للضيافة لاستضافة الوفود الدينية من علماء المحافظات وطلابهم .
5 – إنشاء مستوصف يحتوي على أطباء مختصين من كبار أطباء البلد , يعالج مرضى الفقراء , ويعطيهم العلاج مجانا ً .
6 – إقامة ناد رياضي بمبنى تابع لمركز الجمعية يفد إليه طلاب جامع زيد والشباب المسلم , الذين لم يسمح لهم الشيخ في أن يختلطوا بالمجتمع الفاسد , للمحافظة على أخلاقهم وسلوكهم .
7 – مكافحة التسول , تلك الظاهرة التي تسيء إلى سمعة البلد وأغنياءها الذين لم يقصروا في سد حاجات الفقراء عموما ً , وتحملوا مسؤولية كفالة الأيتام والعجزة بدافع الخوف من الله والمسؤولية يوم الحساب .
وبالتالي فإن الدولة عندما اطلعت على نشاط الجمعية في تلك المجالات أوعزت إلى جميع الجهات المختصة في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل , ووزارة الداخلية بتيسير مهامها وتقديم كل ما تحتاجه الجمعية من خدمات , ومن ذلك تقديم عدد من رجال الشرطة مع سياراتهم لمكافحة التسول , غير أن الشيخ لم يسمح لهم أن يأخذوا المتسولين إلى مراكز الشرطة , بل طلبت منهم أن يأتوا بهم إلى مراكز الجمعية التي تبحث بدورها عن المحتاج منهم , فإن كان كبيرا ً في السن سدت حاجته بشكل دائم لئلا يلجأ ثانية إلى التسول , وإن كان شابا ً ويتمكن من العمل هيأت له سبل العمل الكريم , وإن كان غنيا ً لكنه اتخذها مهنة أخذوا عليه التعهد بعدم العودة إلى التسول ثانية, فإن عاد تأخذه الشرطة لتعاقبه بأسلوبها الخاص .

شروط أعضاء هذه الجمعيات الخيرية

كان الشيخ رحمه الله لسعة اطلاعه وتجاربه ومعاينته للمجتمع بأفراده , ومعرفته بالرجال فاسدهم وصالحهم , وضع شروطاً لكل من يتقدم أو يرشحه أحد للانتماء إلى عضوية جمعية من تلك الجمعيات أو إلى العمل فيها , ذلك لأن الجمعية التي تعتمد في مواردها على الأغنياء وتجار الأمة ينبغي أن تكون بأعضائها محط ثقة الجميع , وإلا فقدت الثقة وتعرضت للتجريح , وبالتالي تتوقف عن أداء مهمتها , وتُخفق في تقديم رسالتها , ومن تلك الشروط :
1 – أن يكون العضو معروفا ً بإخلاصه في الحي , وبغيرته على مصالح الناس وأموالهم وأعراضهم .
2 – أن يعرف بأمانته وتسامحه ومحبة الناس له وصدقه معهم , ولا تكون له سابقة من إساءة أو خيانة أو اختلاس .
–3 أن يكون رئيس الجمعية ممن جمع الخصال الخيرة في أخلاقه ومعاملاته , مع كونه غنياً عرف بعطائه وصدقاته وهباته .
4 – أن يكون أمين الصندوق على غاية من الخلق الكريم والأمانة وعدم التفريط , مع كونه كذلك غنيا يعطي ولا يأخذ ,و عرف بإنفاق ماله في وجوه الخير .
5 – أن لا يتقاضى أحد من أعضاء الجمعية راتبا ً أو ينال من أموالها شيئا ً بل يكون عمله خالصا ً لله تعالى , أما العاملون في جوانبها الإدارية أو الجباية أو غير ذلك فمنهم من لا يتقاضى شيئا ًبل نذر نفسه للخدمة راجيا ً الأجر والثواب , ومنهم من تفرغ من أعماله وليس له وارد فيعطى راتبا ً يكفيه.
و هكذا نرى كيف اهتم الشيخ عبد الكريم بالجانب الخيري و الاجتماعي في مجتمعه لأنها تشكل الرديف الأساسي و المهم للعمل الثقافي و الفكري ,فالبطون الجائعة و الأجساد العارية لا تعي الحكمة و تهتم بالمعرفة .

غنية عمر
09-04-2010, 10:25 PM
http://alharary.com/vb/imgcache/9277.imgcache.gif


تفعيل دور المناسبات الدينية في خدمة الدعوة

كان الشيخ رحمه الله يستغل أية فرصة في أية مناسبة لجمع الناس في المسجد , إذ يعتبر المناسبة كسبا ً لا يفرط فيه , وفرصة لا تفوت في مجال الدعوة إلى الله لاسيما وقد وجدوا الموجة العارمة لصرف الناس عن دينهم بأية وسيلة من وسائل الإضلال والفساد والانحلال الخلقي , فكان لا بد من إيجاد البديل من تيار معاكس حتى لا ترجح كفة المعصية فيحل البلاء , والله تعالى يقول : (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ً) .

مناسبة الهجرة النبوية

فترى في مطلع العام الهجري مسجد زيد يتهيأ لإقامة احتفال بمناسبة الهجرة , وتطبع الدعوات باسم طلاب مسجد زيد , ويعين وقت الاحتفال , وتلصق على جدران الطرقات والشوارع , ويفد الناس من كل حدب وصوب , ومن جميع أطراف دمشق مبكرين ليأخذوا أماكنهم .
ويمتلئ المسجد بالناس , ويبدأ الحفل بتلاوة عشر من القرآن الكريم , ثم تليه الكلمات التي اعتاد الناس أن يسمعوها من طلاب الشيخ التي تشد الأسماع وتجذب القلوب بقوة أسلوبها ورصانة عباراتها وتناسق موضوعها وصدق لهجتها , وتدور كلمات الحفل حول هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم بتفاصيلها وما يستفاد من دروس وعبر تجسد عظمة الرسول الكريم وصبره وتحمله , وصبر أصحابه بتركهم الأهل والمال والوطن فارّين بدينهم وعقيدتهم , ولا ينتهي الحفل بمناسبة الهجرة إلا بالتعاهد على هجر المعاصي وهجر ما نهى الله عنه والتزام طاعته وفعل أوامره .

مناسبة المولد النبوي الشريف

وفي ربيع الأول من كل عام تأتي المناسبة الثانية التي ينتظرها الشيخ وطلابه لأنها من أعظم المناسبات التي تجمع الآلاف المؤلفة والجموع الغفيرة من الناس التي لا يتسع لها المسجد رغم سعته فتفرش الساحات الكبيرة حول المسجد وتضاء بالكهرباء وتوضع مكبرات الصوت في كل ناحية من نواحي هذه الساحات , وتوصل مكبرات مآذن المساجد المجاورة بجهاز المسجد الصوتي , وتعبر دمشق بهذا الحشد لكبير من المسلمين عن فرحتها بهذا الدين وعن ولائها لعلمائها الذين يدعوهم الشيخ عبد الكريم ليزينوا صدر المجلس و يلتقوا بعامة الناس , ويا له من حفل مهيب ومشهد من أروع المشاهد , حيث يجتمع أهل دمشق مع كبار علمائها , ثم يطلب من بعض العلماء أن يتكلموا أمام هذه الآلاف المحتشدة , فيتكلمون و يعظون و يذكرون و الناس تصغي بقلوبها قبل أسماعها.
ولقد كان يتميز حفل المولد في جامع زيد بكثرة الكلمات التي تتخللها بعض الوصلات من الأناشيد الدينية والمدائح النبوية .
وبالمناسبة , فإن الشيخ كان يكرم أصحاب الأصوات الجميلة من المنشدين , لأنهم سخروا أصواتهم في المناجاة لله تعالى ومدح سيد الأنام صلى الله عليه وسلم , وكان يلاحظ أن من هو أقل حظا ً في جمال الصوت ومعرفة الفن قد توجهوا إلى الغناء والمجون طمعا ً بالكسب المادي , أوَ ليس هؤلاء الذين أكرمهم الله بهذا الاتجاه أولى بالإكرام .والاحترام

رأيه رحمه الله تعالى بهذه الاحتفالات:

كان رحمه الله يُسأل عن إقامة مثل هذه الاحتفالات وعن حكمها , ورأي الشرع فيها , فيقول :
( إن سألتموني عن الكلمات التي يلقيها الخطباء , فهو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر, وبيان لسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم , و إن سألتموني عن الأناشيد الدينية فيها فلا يشك أحد بأن عددا ً من الصحابة مدحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لهم وأكرمهم , بل لقد كان بعض تلك الأناشيد التي قيلت أمام النبي الكريم صلى الله عليه و سلم مثل : ( طلع البدر علينا ) , يقولونها مع النغم , إذ لا يعقل أن تؤدى بشكل جماعي إلا ولها نغم , وكما ورد أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول للحادي أثناء ركوبهم في السفر:رفقا ً بالقوارير ,وذلك لإسراع الجمال وتهيجها عند سماعها لذاك الحادي , فهل كان يحدو بما لا يرضي الله والنبي الكريم يسمعه .
أما إن سألتموني عن تخصيص هذه اللقاءات بمناسبات لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ,ولا صحبُه ولا سلفنا الصالح , فلا شك بأن الاتباع هو الأصل , إلا إن وجد الداعية إلى الله بأن في إقامة مثل هذه الاحتفالات بالمولد وغيره مجالا ً لهداية الناس وجلبهم إلى الخير , فـإن الحكم قد يرتفع من الإباحة إلى المندوب , بل قـد يرتفع إلى الوجوب إن كان هذا هو السبيل الوحيد لدعوة الناس الذين لا يأتون إلى المساجـد ويأتون لمثل هـذه الاحتفالات , ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (لأن يهدي الله بك رجلا ً واحدا ً خير لك من حمر النعم ) ., وفي رواية ( حير لك مما طلعت عليه الشمس ) .
فكم وكم من الناس يأتون إلى الاحتفال بالمولد تاركين الصلاة شاربين الخمرة ويخرجون من الحفل ودموعهم على وجناتهم معلنين توبتهم , معاهدين الله ألا يتركوا فرضا ً , لا بل قـد يتحول الكثير منهم ليصبحوا طلاب علم وهداة أمة .
إن هذه النتيجة لا تخفى على أحد , وكثير ممن سيقرؤون هذا البحث من أهل دمشق سيذكر يوم كان منحرفا ً وهداه الله بسبب هذه اللقاءات , فهل بعد هذا يراودنا الشك في مشروعية إقامة مثل هذه الاحتفالات في مثل هذه الحالات .
ثم يقول رحمه الله : أما ما يفعله بعض الناس في بعض البلدان من إقامة حفلات المولد وفيها ما فيها من الشرور والآثام , من اختلاط الرجال بالنساء , وشرب الدخان والـرقص والتثني , فـإن ذلك سيعود وبالا ً عليهم, لأن المعصية حرام , وأشد منها حرمة أن تكون باسم الطاعة , فباسم مولد النبي صلى الله عليه و سلم يعصي النبي بارتكاب المخالفات .
لقد كـان الشيخ لا يسمح في مجلسه أن يشرب الدخان , ولا يسمح لطالبات العلم من النساء أن يأخذن عنه درسا ً إلا من وراء حجاب , فكيف إن كانت مثل تلك المنهيات يفعلها أدعياء الطرق الصوفية , والتصوف منهم براء .
ومن فضل الله على بلاد الشام أن محيت وانتهت هذه المخالفات في احتفالاتها الدينية , لأن شبابها أصبحوا من الوعي الديني ما يجعلهم ينبذون مثل هذا المزج بين الطاعة والمعصية , والحمد لله ...

مناسبة الإسراء والمعراج

لا يكاد يمضي على مناسبة المولد النبوي الشريف ثلاثة أشهر إلا ويأتي رجب وتأتي مناسبة الإسراء والمعراج , لتتكرر دعوة الناس , وتوزع الدعوة , وتلصق الإعلانات على الجدران بأن مسجد زيد سيحتفل بهذه المناسبة , ويأتي يوم الاحتفال ويزدان الحي , ويصطف طلاب المسجد خارج مدخل المسجد ليرحبوا بالسادة العلماء بأهازيج دينية وأناشيد ترحيبية تشرح الصدور وتدخل السرور على قلوب الداخلين , فإذا ما دخلوا المسجد مكثوا فيه وكأنهم في روضة من رياض الجنة , لاسيما والسادة العلماء وراث الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في صدر المجلس , والشيخ عبد الكريم يتهلل وجهه سرورا ً بهذا الإقبال الكبير من الناس , فإذا ما قام أحد طلابه يتكلم , نظر إليه بكليته يمده بشحنات قوية من الدعوات بأن يلهمه الله الحكمة والصواب , فترى الشاب الخطيب الذي لا يتجاوز الثامنة عشرة من عمره وهو يتكلم أمام هذه الجموع والشيخ ينظر إليه نظرة الأب المسرور بولده وبتوفيق الله له فتزيده هذه النظرات حماسا ً بلا تلعثم , وجرأة في الكلام بأعظم بيان , يتكلم عن معجزة الإسراء والمعراج التي تفرد بها نبينا عليه الصلاة والسلام عن سائر الأنبياء مع الوقوف عند بعض المشاهد في هذه الرحلة التي ينفذ من خلالها على التوجيه والإرشاد والبناء والإصلاح , إذ إن الشيخ لم يجمع هذه الجموع من أجل سرد قصة أو حكاية , فهي موجودة في بطون الكتب , وإنما جمعهم لتكون أحداثها سببا ً للهداية وسبيلا ً لشحذ الهمم للثبات على المبدأ والصبر في سبيله , حتى يبلغ القصد ويتحقق وعد الله بنصر المؤمنين لاسيما وقد احتل اليهود تلك البقعة المباركة من بلاد الشام , بيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين , حيث لا يحررها شباب همهم أن يعيشوا بين متع الحياة و لذائذها , , إنما يحررها ( رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه , فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) .
وكان لا بد في مثل هذا الحفل أن يتكلم أحد طلاب الشيخ وهو الشيخ شوكت الجبالي رحمه الله – الشاب الفلسطيني المهجر من أرضه و وطنه - , فتراه عندما يصل في حديثه إلى احتلال اليهود لتلك البقعة من أرض الإسلام كأنه منذر جيش صبحكم ومساكم , يصول ويجول في حديثه ويناديهم قائلاً : هلموا يا شباب الإسلام إلى دنيا المجد , دنيا الكرامة , دنيا العز والنصر , ويتمنى الشباب وهم يسمعون الشيخ شوكت يلهب شعورهم , ويؤجج مشاعرهم أن لو يقدموا أرواحهم , ويبذلوا دماءهم ويدفعوا أبناءهم ليحرروا بيت المقدس من تلك العصابة الذين لم يتمكنوا في الأرض إلا عندما أصبح المسلمون عبيدا ً للمادة والشهوة , وما تظاهروا بالشجاعة إلا عندما اطمأنوا إلى جبن المسلمين ببعدهم عن هدي ربهم وسنة نبيهم .

ليلة النصف من شعبان

إن الشيخ يعلم أن ما ورد بخصوص إحياء هذه الليلة هو ضعيف , ولكنه كما ذكرنا كان يحب أن يجمع الناس على العلم والذكر والعبادة لأدنى مناسبة , سواء كان ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في فعله له صحيحا ًأو حسنا ً أو ضعيفا ً , إذ أن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال.
أضف إلى هذا أن الأمر العام من الشارع الحكيم بخصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وتذكير الناس واجتماعهم على ذكر الله وتلاوة القرآن , مثل قوله صلى الله عليه وسلم : (ما اجتمع قوم في بيت الله يتلون متاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده) .
هذا الحديث وأمثاله أوامر عامة رخصت للمسلمين أن يقوموا بها في أي وقت وحين , وتخصيصها في هذه المناسبات اجتهادا ً من الشيخ أنها مظنة لهداية الضالين , وسبب لتوبة العصاة والمذنبين , وبالتالي أصبحت في اجتهاده من باب المندوب.
فقد كان رحمه الله يدعو إلى إحياء هذه الليلة , فيزدحم الناس من بعد صلا المغرب , ويجعل لها برنامجاً حافلا بالأوراد والأذكار وتلاوة القرآن , إذ تُوزع أجزاء القرآن الكريم ليقرؤوا في تلك الليلة ما يزيد على مائة ختم , ثم يبدأ الاستغفار والدعاء والابتهال والتضرع والبكاء , راجين من الله المغفرة والعفو والعافية , سائلين الله حسن الخاتمة , وقبيل السحر يقفون لصلاة التسابيح أربع ركعات , وفي نهايتها يختمون إحياء تلك الليلة بتوزيع السحور الذي يتبرع به أحد المحسنين من طلاب الشيخ رغبة في الثواب وطمعا ً بالأجر .
وتمضي الليلة بذاك القيام والنهار بذاك الصيام ويشعر صاحبهما بأن الله تعالى قد غفر ذنبه وكفر خطاياه ليبدأ بعد ذلك حياة جديدة بطاعة الله وعبادته و يقبل على شهر رمضان و قد طهر قلبه وأعد نفسه للإقبال على الله تعالى .

شهر رمضان وإقبال الناس فيه

وهناك مناسبات أخرى , كمناسبة غزوة بدر الكبرى في السابع عشر من رمضان , وإحياء ليلة السابع والعشرين من رمضان من بعد صلاة العشاء حتى طلوع الفجر , كما أن قدوم شهر رمضان من أعظم المناسبات التي يستغلها الشيخ كأساس من أسس الجانب الروحي في عمله إلى جانب الحياة العلمية التي يعيشها طلابه في المسجد خلال العام .
فلقد اعتادت مساجد دمشق أن يقرأ أئمتها في صلاة التراويح بعد الفاتحة آية أو آيتين قصيرتين , فإذا أطال أحدهم قليلا ً صاح المصلون متضجرين: لقد أطلت علينا .
لكن رغبة الشيخ رحمه الله في أن يجعل هذا الشهر المبارك فرصةً لتلاوة القرآن الكريم لاسيما في قيامه وتراويحه , فقد طلب من جميع طلابه الأئمة في المساجد المتفرقة في أنحاء دمشق أن يقرؤوا جزءا ً كاملا ً كل يوم في صلاة التراويح , ومن لم يكن من هؤلاء الأئمة حافظا ً أناب حافظا ً متقنا ً حسن الصوت والأداء .
وكان هذا العمل أمرا ً غريبا ً على أهل دمشق الذين عهدوا من أئمتها الاختصار الشديد , ولم تعرف صلاة التراويح بجزء إلا في مشهد سيدنا الحسين في الجامع الأموي يصليها شيخ القراء عادة مع نفر من الناس , ومسجد آخر في سوق مدحت باشا وهو جامع السادات كان يصلي فيه الشيخ محمد سعيد الطنطاوي – بارك الله في حياته – مع لفيف من الشباب المسلم صلاة التراويح بجزء كامل .
وجاء الوقت ليستجيب أهل دمشق بشبابها وشيوخها وكبارها وصغارها ونسائها لنداء الشيخ فتمتلئ هذه المساجد الكبيرة بالمصلين المقبلين على سماع القرآن الكريم من أهله و حفاظه صافين أقدامهم متلذذين بخطاب مولاهم جل و علا , و قد حرص الشيخ على وجود عدد من المساجد الصغيرة في كل حي يصلى فيها صلاة التراويح بدون تطويل مراعاة لكل فئات الناس.
ولقد كان الشيخ رحمه الله تعالى يطلب من طلابه – بالتناوب – خلال شهر رمضان التعليق على الجزء المقروء في الصلاة في كلمة صغيرة غير مملة بحيث يخرج المصلي من المسجد وقد استفاد علما ً وروحا ً .
وفي مسجد زيد وبعض المساجد التابعة له كان طلاب المسجد لاسيما الحفاظ منهم يأتون بعد منتصف الليل لصلاة التهجد بما لا يقل عن ثلاثة أجزاء في ثماني ركعات , يتناوبون بالإمامة حتى يرسخ القرآن في ذاكرتهم , فكان شهرا ً حافلا ً بالمذاكراة القرآنية يخرجون منه بمتعة لا تعدلها متعة طيلة العام .


إلقاء الدروس والكلمات عقب الصلوات

كان الشيخ رحمه الله يعتبر شهر رمضان من المواسم السنوية التي يقبل الناس فيها إلى المساجد حيث تمتلئ بالمصلين , فكان يقدم فائدة مزدوجة :

أولا ً : بإرسال الدعاة إلى المساجد للوعظ والإرشاد .
ثانيا ً : بتدريب المبتدئين من طلاب المسجد على الخطابة والوعظ والتدريس , حيث يُعطى المتدربون خطباً مطبوعة مختصرة يلقونها بعد صلاة الفجر في مساجد الأحياء وبعد صلاة الظهر في مساجد الأسواق , ويكون مع الأخ المتدرب عند إلقائه أستاذه ليعطيه الملاحظات التي تتعلق بكيفية الإلقاء وأسلوبه .
أما أساتذة المسجد فهم في شهر رمضان في حالة استنفار لإلقاء الدروس اليومية في المساجد بعد الفجر وبعد العصر , فترى طلاب المسجد في عمل متواصل في هذا الشهر المبارك , يجدون من خلال هذا التعب المتعة والسرور بإيصال هذا الخير إلى الأمة , لاسيما وهم يقومون بهذه الأعمال لا يطلبون جزاء ولا شكورا ً , وإنما يبتغون الرحمة والرضوان من الرب الغفور .

غنية عمر
10-29-2010, 02:25 PM
http://alharary.com/vb/imgcache/9277.imgcache.gif


الحج و أهميته في نشر الدعوة

حج رحمه الله تعالى عدة حجات إلى بيت الله الحرام مع طلابه و أحبابه , حيث كان الحج عنده فرصة لتغذية الروح و ربطها بجذورها الأولى في أرض الحرمين التي شهدت ولادة الإسلام وبناءه الأول , وكان أيضا فرصة للقاء بالحجيج من أهل المشرق و المغرب يعلم جاهلهم و يدعو غافلهم و يلتقي صالحهم و يفيد من عالمهم .
و كان رحمه الله يتحرى المال الحلال لأداء حجه , و لا يرغب أن يذهب في بعثة رسمية ولا يقبل دعوة أية جهة لينزل ضيفا عليها , و إنما يطمع برفقة أحبابه من الناس الذين رغبوا في الحج مع الشيخ ليستفيدوا من توجيهاته وبيان أحكام الحج ومناسكه , وكان يرجو بصحبته للفقراء الصالحين و طلاب العلم و حفاظ القرآن أن يُقبل في جملتهم و يستجاب دعاؤه معهم .
فكان رحمه الله تعالى منذ صعوده إلى الطائرة ينادي أحد طلابه و يقول له : بدأ العمل يا ولدي منذ هذه اللحظة , خذ مكيرفون الطائرة و ابدأ بالتلبية مع الناس وعلمهم مناسك الحج , كان هذا ديدنه إلى أن يصل إلى مكة حيث كان يجعل ليله كله في الحرم و يخصص ساعات من النهار يذهب بها إلى البيت المتواضع لينال قسطا من الراحة و يجعل وقته كله ما بين صلاة و دعاء و طواف و ذكر و تعليم و دعوة, فإذا جاء يوم عرفة قضاه من أوله إلى آخره في الذكر و الدعاء .
وكان رحمه لله تعالى يرغب في المبيت في منى تحت خيمة كبيرة في غاية البساطة , مشاركا طلابه و أحبابه سرورهم بذلك التقشف على أرض منى الطيبة , دون أن يميز نفسه على من بصحبته من الحجيج , فكان إذا تضايق أحد الموجودين من بساطة الحال جاء إلى الشيخ يشكو له حاله فإذا به يرى الشيخ على مثل حاله فيعود شاكرا الله و حامدا إياه , و كان رحمه الله يحث الشباب على خدمة الكبار و يحض الأغنياء للإنفاق على الفقراء في الحج .
و كان لا يرضى لأحد أن يضيع وقته في الطعام والشراب والرفاهية قائلا : ( نحن نأكل في بلادنا و بيوتنا ما لذو طاب و نجلس على الفرش الوثيرة لكن رحلة الحج ينبغي أن نخشوشن فيها لنشكر الله على ما أغدق علينا و أنعم ) , فكنت ترى كبار الأغنياء يتركون الفنادق الفخمة للبقاء مع الشيخ تحت خيمته المتواضعة لما يجدون من المتعة و اللذة الروحية .
ما أمكن مستندا إلى الأقوال المعتمدة في المذاهب الفقهية الأربعة.

لقاؤه مع الشخصيات العلمية في الحج

كان رحمه لله تعالى قي منى وتحت خيمته المتواضعة يستقبل كبار الشخصيات العلمية و الرسمية دون حرج ,وكان يزور أهل العلم و الفضل من علماء مكة كالشيخ علوي المالكي , و الشيخ أمين الكتبي , و الشيخ نور سيف و غيرهم , فيجد عندهم غاية الإكرام و الترحيب .
و لقد دعاة مرة الشيخ صالح القزاز رئيس رابطة العالم الإسلامي ,وكان معجبا بالحركة العلمية و الدعوية والقرآنية التي أحدثتها حركة الشيخ عبد الكريم في دمشق , وحرص على أن يكرم الشيخ فسعى له بغرفة في الطابق العلوي من الحرم المكي ليقيم فيها مادام أنه لا يرغب بالنزول مع كبار الشخصيات في تلك الفنادق الراقية .
كما كان للشيخ حسين أبو العلا أحد وجهاء المدينة المنورة غرفة في قبو الحرم يصل إليها ماء زمزم, فما أن وصل الخير إليه بقدوم الشيخ إلى مكة إلا أرسل خبرا للمسؤول عن الغرفة بأنها تحت تصرف الشيخ عبد الكريم , فكان الشيخ ينام في الطابق العلوي لينعم بمشهد الكعبة المشرفة زادها الله تشريفا و تعظيما , و ينزل إلى غرفة الشيخ أبو العلا ليغتسل من ماء زمزم و يتوضأ .
كما دعاة مرة الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي المملكة العربية السعودية رحمه الله تعالى , فلقي منه الشيخ كل الإكرام و الإجلال .
و في أخر حجة حجها الشيخ رحمه الله تعالى – و التي حاول الأطباء منعه من السفر حينها لسوء وضعه الصحي فأبى شوقا لتلك الديار – التقى بوفد من رابطة العالم الإسلامي عقب مؤتمر عقدوه للتباحث في رسالة المسجد , فقام الشيخ محمد المبارك رحمه الله تعالى وقال لهم : إن هاهنا في الحج رجلا من علماء سوريا و دعاتها الكبار , له تجربة رائدة في بعث رسالة المسجد و إحيائها في المجتمع و هو الشيخ عبد الكريم الرفاعي , فشكلوا لجنة لنزوره و نستفيد من تجربته , و زاره الوفد و سأله عن سر نجاح عمله في المسجد ,وكان الشيخ مريضا - قد أصاب الشلل جزءا كبيرا من جسده و أثر على لسانه -, فقالوا له نكتفي بكلمات قليلة , فقال لهم : (إن عامل التوفيق و النجاح يكمن في الإخلاص لله تعالى أولا , ثم في التواضع من العلماء للشباب و التودد إليهم بعد أن يطرحوا مراكزهم جانبا و يعيشوا معهم كما كان يعيش الأب بين أولاده ), ثم أشار لأحد طلابه و هو الشيخ محمد عوض أن يحدثهم عن تجربة مسجد زيد التي آتت أكلها و أينعت ثمارها.
و مما حدث للشيخ في هذه الحجة الأخيرة أنه لاشتداد المرض عليه أحب الشيخ حسين أبو العلا أن يريحه من الزحام الذي يكون لدى السلام على رسول الله صلى الله عليه و سلم عند المواجهة الشريفة , فعمل جاهدا أن يحصل على إذن من الجهات المتخصصة بأن يفتح الحرم المدني بعد منتصف الليل ليدخل الشيخ و من برفقته و يسلموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ,ويقف الشيخ عند المواجهة الشريفة ساعة كاملة يسلم على رسول الله ليخرج بعد هذه الساعة متهلل الوجه مسرورا بما أكرمه الله تعالى من نعمة السلام على رسول الله صلى الله عليه و سلم في حجته الأخيرة إلى الديار المقدسة .

غنية عمر
10-29-2010, 02:32 PM
هم الدعوة في الأيام الأخيرة من حياة الشيخ

قبل ستة أشهر من وفاة الشيخ كان جالسا رحمه الله تعالى بين إخوانه يبحثون في شؤون العمل و أحواله , فيسددون أخطاءه و يصححون بعض مواقفه , و إذا بالشيخ يتغير لونه فجأة و يصفر وجهه و تعتريه حال غريبة , فسكت طلاب الشيخ و نظروا إليه مستفهمين عن حاله , فطمأنهم الشيخ و حضهم على المتابعة , و لكن أحد الموجودين استأذن ليأتي بالطبيب , و إذا بالشلل يصيب جسد الشيخ ليبقى ملازما للفراش بعد هذه الجلسة شهرا كاملا , لا يتمكن من الحركة إلا بمساعدة أحد أبنائه الذين كانوا يتناوبون على خدمته و المبيت بجانبه .
و بعد شهر من شلله رحمه الله سمعه أهله و أولاده يردد بيت الإمام البوصيري :
كم أبرأت وصبا باللمس راحته و أطلقت أربا من ربقة اللمم
و بقي يرددها أياما , حتى يفجأ أهله -وهم على مائدة الطعام في غرفة مجاورة -بالشيخ يدخل عليهم الغرفة , مبتسما شاكرا لله تعالى على نعمة الشفاء كما شكره على نعمة المرض .
و يطالب الشيخ بعودة الدروس كما كانت رغم بقاء آثار الشلل على لسانه وحركته , و لكنه كان يرى في مجالس العلم و الذكر الشفاء و الصحة , و عادت الدروس إلى بيت الشيخ كما كانت , و كأنه كان لا يريد فراق الدنيا إلا و هو على حاله من العلم و التعليم و الدعوة و الإرشاد , فكان لا يفتأ يستفسر عن طلاب المسجد و عن أحوالهم و مسيرتهم مع القرآن الكريم و الدعوة و العلم سائلا عن طلابه بأسمائهم و أشخاصهم .
و يستمر الحال على هذا الجلد و المتابعة خلال الشهور الست الأخيرة من حياته و يذهب إلى الحج و يعود ليزور بعضا من أحبابه في بيوتهم و أماكن عملهم ناصحا لهم مودعا إياهم قائلا لهم لعلها زياراتي الأخيرة لكم , و يكثر من وصية طلابه بمتابعة الدعوة من بعده و العمل فيها على أسس الحب في الله و الزهد في الدنيا و الهمة في الخير .
و يكثر من قراءة أبيات أحد الصالحين :
سلم أمـورك للطيف العالـم و أرح فؤادك من جميع العالم
و أعلم بأن الأمر ليس كما تشا بل ما يشاء الله أحكم حاكم
ويدخل رحمه الله تعالى في غيبوبة تمتد به عشرة أيام إلى يوم وفاته , و يأتي على غير ميعاد الشيخ محمد عوض ظهرا إلى بيت الشيخ ليطمئن على صحته , و يتوافد كبار طلاب الشيخ على غير ميعاد بينهم ويقفون عند رأسه رحمه الله تعالى و يقرؤون سورة يس , و عندما يصلون إلى قوله تعالى ( إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون , هم و أزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون ......سلام قولا من رب رحيم ) و إذا بالشيخ يرفع رأسه عن الوسادة قليلا و يقول ( الله ) و يلفظ نفسه الأخير في هذه الدنيا بين طلابه و أحبابه الذين شاركوه بناء دعوته و حملوا معه رايتها .
و يصل خبر وفاة الشيخ إلى كل بيت في دمشق , و يفد العلماء و الصالحون لتشييع الشيخ إلى مثواه الأخير .
و يمشي الموكب المهيب في صمت و خشوع ,و يحيط بالنعش مئات من طلاب الشيخ , يمنعون أي رجل من استغلال التشييع في رفع شعار أو هتاف , حيث كانت توجيهات الشيخ في حياته أن تكون جنازته على السنة صامتة هادئة .
و يودع مئاتُ الآلاف من المشيعين الشيخ عند مقبرة الباب الصغير حيث دفن قرب أقرانه و أصدقائه من العلماء والصالحين , ليعودوا بعد ذلك إلى مسجد زيد معاهدين الشيخ على رعاية دعوته و نشرها و الثبات على مبادئها و أسسها .
رحم الله الشيخ فلقد كان عالما ربانيا , سما في حياته فوق الماديات ليصافح الملائكة المقربين , و صدق في دعوته و جهاده ليعيش مع الخالدين .

غنية عمر
10-29-2010, 02:53 PM
في غياب الشيخ عبد الكريم الرفاعي

http://www.sadazaid.com/mkportal/templates/islam/images/artical/2010/kareem.jpg
يا سيدي الشيخ يا شمساً لنا سطعت يــــــــــــا مورداً ســــــــح منه الخير كالـــــــــــــــــــديم

يـــــــــــــــــــــا نفحة مـــــــــــــــن رسول الله كــــــان بهـــــــــــــــــا على البرية فضل وافــــــــــر النعم

لقد فقدنـــــــــــا بكم يــــــــــــــــا سيدي رجلاً قد كان حصناً لدين الحـــــــــق في الأمم

لقد فقدنــــــــــــا بكم يـــــــــــــــــا سيدي أسداً لـــــــــــــه على الكفر بــــــأس بالــــــــــــــــــغ النقم

لقد فقدنــــــــــــــــــا بكم يـــــــــــا سيدي بطلاً يـــــــــــوم الكريهة عضب السيف و القلــم

لقد فقدنــــــــــــا بكم يـــــــا سيدي (سنداً) نرجــــــــــوه بعــــــــــــــد رسول الله و الحكـــــــــــــــــم

تغمـــــــــــد الله قبــــــــــــــــــــــراً أنت ساكنــــــــــــــــــه يــــــــــــا سيدي بنعيم الجـــــــــــــــــود والكــــــــــــــــرم

و زاد فــــــــــي جنة الفردوس حظوتكـــــم مــــــــــــــــع الــــــــــــرسول شفيع الخلق كلهـــــــــــم
لــــــــــم أقرض الشعر أرثـــــي فيه ذا عظم
أرجـــــــــــو بذلك فضلاً مـــــــــــن أولي الكرم
لا لم يكن مقصدي فيما أقول سوى أن أشفع الدمع في نظم مــــــــــــــن الكلم

عـــــــــــلّ القصائد (تطفي) حرقة نشأت فــــــــــــــي مهجتي لـــــــــــــم تزل تزداد في ضرم

عـــــــــــلّ القصائد إذ أشدوا منائحهـــــــــــــــا يرتاح قلبي بهـــــــــــــا مـــــــــــــــن وطـــــــــــــأة الألــم

وما القصيد سوى صوت الفؤاد أتت بـــــــــــــــــه الحروف على لـــــــــــــون مــــــــــن النغمِ
.................................................. .......
مقتطفات من قصيدة للشيخ نذير مكتبي